منتديات المدني

منتديات المدني (http://www.naim-almadani.com:443/vb/index.php)
-   المدارس التاريخية في دمشق (http://www.naim-almadani.com:443/vb/forumdisplay.php?f=14)
-   -   المدرسة المرشدية (http://www.naim-almadani.com:443/vb/showthread.php?t=46)

naim 04-10-2019 08:22 PM

المدرسة المرشدية
 

المدرسة المرشدية
للباحث عماد الأرمشي .

https://lh3.googleusercontent.com/-C...urshidiyya.JPG

أدعو الدوائر المختصة و المعنية في دمشق .. بوقف اختلاس أثار و أوابد البلد .. عياناً .. جهاراً .. في رابعة النهار.. هذه الآثار تعود أوقافها إلى وزارة الأوقاف أو لمديرة الآثار و المتاحف ، و إن لم يكن كذلك فهي ملك للحق العام .. لعامة الناس .
ولابد من استرجاعها من المختلسين .. الذين تعدوا عليها عبر السنين الماضية فأوقفوا مهمتها و عطلوا أوقافها . فلنرفع الصوت عالياً في وجه من يحاول اختلاس البلد و اختلاس مرافقه.

https://lh4.googleusercontent.com/-6...urshidiyya.JPG
المدرسة المرشدية

تقع المدرسة المرشدية أو ( مدرسة الخاتون ) خارج أسوار مدينة دمشق القديمة بجادة حي المدارس في صالحية دمشق ، يحدها غرباً الزاوية الفرنثية أو تربة الشيخ على الفرنتي ، ويحدها شرقاً مدرسة دار الحديث الأشرفية المقدسية البرانية الحنبلية ، ويحدها شمالاً شارع حي المدارس .
وقد ذكر مؤرخ الشام الشيخ يوسف ابن شداد بالأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام و الجزيرة أن منشئتها بنت ملك دمشق الملك المعظم شرف الدين عيسى ابن الملك العادل في سنة أربع وخمسين وستمائة على نهر يزيد جوار دار الحديث الأشرفية .

https://lh6.googleusercontent.com/-9...urshidiyya.JPG

مؤرخ مدارس الشام الشيخ عبد القادر بن محمد النعيمي ذكر بكتابه الدارس في تاريخ المدارس أن من أمر ببنائها في عام 650 للهجرة ـ 1252 للميلاد الأميرة الأيوبية الفاضلة السيدة خديجة خاتون ، ابنة الملك المعظم شرف الدين عيسى بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن نجم الدين أيوب ، على ضفاف نهر يزيد ، بجوار دار الحديث الأشرفيّة المقدسية البرانية ، والتي بناها عمها الملك الأشراف مظفر الدين أبو الفتح موسى ابن الملك العادل رحمهم الله جميعاً وتقبل منهم صالح الأعمال .

https://lh5.googleusercontent.com/-z...urshidiyya.JPG
تصوير البروفسور كيبل كريسوال ، متحف أشموليان ـ جامعة هارفارد / 1908

ومن هنا فإننا ندرك بروز دور بعض السيدات الخاتونات الأيوبيات في الحياة العلمية كالسيدة خديجة خاتون بنت الملك المعظم ، ومدى اهتمامها الراسخ و القوي بالدارسين والعلماء ، وتعتبر هذه المدرسة من أفضل وأكبر المدارس الحنفية بدمشق . حيث يدرّس فيها المذهب الحنفي والمعروف أنّ أباها الملك المعظم عيسى كان هو الوحيد من أبناء السلطان الملك العادل الأيوبي الذي اتبع المذهب الحنفي ، بل كان مغالياً بالتعصب لمذهب أبى حنيفة .
وقال له أبوه مرة : كيف اخترت مذهب أبى حنيفة ؟؟ وأهلك كلهم شافعية ؟
فقال متبسماً : يا خوند ، أما ترغبون أن يكون فيكم رجل واحد مسلم !! ، لذلك يبدو أن السيدة خديجة خاتون رحمها الله تعالى تأثرت بفكر أبيها واتبعت هي الأخرى المذهب الحنفي ، وأوقفت هذه المدرسة على دراسته و دراسة فقهه و عباداته .

https://lh6.googleusercontent.com/-5...urshidiyya.JPG

و تابع الشيخ عبد القادر بن محمد النعيمي أن أول من درس بها صدر الدين أحمد بن شهاب الدين علي الكاشي . ثم انتزعت من يده ووليها صدر الدين إبراهيم بن عقبة إلى أن توجه إلى حلب المحروسة فوليها بعد صدر الدين علي وهو مستمر بها إلى الآن انتهى. ( أي في أيام الشيخ عبد القادر النعيمي بالعصر المملوكي )
قلت: ( أي النعيمي ) قال قاضي القضاة النجم الطرسوسي في شرح منظومته:
أن أول من درس بها الشمس بن عطاء حيث قال فيه : قاضي القضاة شمس الدين أبو محمد عبد الله بن محمد بن عطاء بن جبير بن جابر بن وهيب الأذرعي الحنفي المعروف بالقاضي عبد الله . ميلاده سنة تسع وتسعين وخمسمائة تفقه على الشيخ رشيد الدين سعيد بن علي البصروي ، وقاضي القضاة صدر الدين علي بن أبي القاسم البصروي ، واتفق أن والده كان حنبلي المذهب وكان يتعالى في الشيخ الفقيه اليونيني البعلبكي ورحل إليه إلى بعلبك .
وأقرأ ولده عبد الله المشار إليه القرآن على الشيخ الفقيه ثم استأذنه فيما يشتغل به ولده ، فأشار الشيخ الفقيه بأن يشغله على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه .. فاشتغل وحفظ القدوري ورحل إلى دمشق ، فتفقه بها حتى صار رئيس الحنيفة .
ودرس بالخاتونية العصمية و بالمرشدية وهو أول من درس بها وباشر نيابة القضاء بدمشق مدة عن قاضي القضاة أحمد بن سني الدولة الشافعي ، وعمن بعده من القضاة الشافعية يعني قبل حدوث القضاة الأربعة ، ثم ولي القضاء استقلالاً من السلطان الملك الظاهر بيبرس الصالحي في سنة أربع وستين وستمائة ، وفي سادس جمادى الأولى منها استناب القاضي بدر الدين المظفر بن رضوان النبجي المدرس بالمعينية واستمر قاضي القضاة إلى أن توفي .

https://lh5.googleusercontent.com/-T...700/05_01_.JPG

دار العدل
وجرت له حكاية مليحة مع السلطان الملك الظاهر بيبرس لما احتط على البساتين بدمشق حين حضر السلطان بدار العدل بدمشق ، وجرى الكلام في ذلك ، فتكلم قاضي القضاة شمس الدين عبد الله المذكور بين الحاضرين .. وقال القاضي بدر الدين لأرباب الأملاك :
ولا يحل لأحد أن ينازعهم في أملاكهم ، ومن استحل ما قد حرم الله ، فقد كفر..
فغضب السلطان غضباً شديداً .. وتغير لونه .. ثم قال :
أنا كفر ؟؟ .. أنا كافر ؟؟ .
فنهض بيبرس وقال : انظروا لكم سلطاناً غيري ..
وكان الذي حمل القاضي على هذا الكلام مخافة الله ، وخشيته . وألقى الله تعالى على خاطره هذه الآية الكريمة :
( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ) . الآية .
وانفض المجلس على وحشة من السلطان ، فلما كان الليل أرسل السلطان طلب القاضي بدر الدين ، فخاف .. و أوصى .. وودع أهله .. وراح إلى السلطان .. وفي ذهنه انه لا يعود .
فلما دخل قام السلطان وعظمه وقال : يا قاضي تكفرنا اليوم .. !! فقال : يا مولانا أنا ما خصصت مولانا السلطان بهذا الكلام ، ولكن كل من استحل ما حرم الله فقد كفر ، فقال السلطان لحاشيته: القاضي كما هو يكفرنا فخلع عليه و أكرمه .. ورجع إلى بيته مجبوراً معظماً.

https://lh6.googleusercontent.com/-X...s714/05_02.jpg
صورة منقولة ضوئياً من مركز الوثائق التاريخية بدمشق / الأستاذ الباحث هاني سكرية

وقد أفادنا السيد الباحث المتخصص في الأرشيف العثماني الأستاذ هاني عمر سكرية :
أنه ممن تولى وظيفة التدريس وقراءة الحديث الشريف في المدرسة المرشدية الشيخ إبراهيم والشيخ سعيد ولدي مولانا فخر المشايخ الكرام الشيخ محمد بن الشيخ عيسى بن الشيخ محمود الخلوتي ، وذالك بمقابل وقدره كل يوم عثمانيتين ، وقد انتقلت إليهم هذه الوظيفة عن والدهم : الشيخ محمد بعد أن تنازل لهم عنها لمرضه وذلك عام 1153 هجرية الموافق لعام 1740 ميلادي .

https://lh3.googleusercontent.com/-5...urshidiyya.jpg
صورة منقولة ضوئياً من مركز الوثائق التاريخية بدمشق / الأستاذ الباحث هاني سكرية

و أضاف الأستاذ هاني سكرية : أنه ممن تولى وظيفة الآذان بالمدرسة المرشدية : فخر الصلحاء المعتبرين الشيخ إبراهيم بن المرحوم الشيخ احمد بن المرحوم الشيخ عبد الله الصالحي ، وأخيه الشيخ مصطفى وذالك بمقابل وقدره كل يوم خمسة دراهم عثمانية ، وذلك عام 1141 هجرية الموافق لعام 1728 ميلادي ، ومصدر هذه المعلومات من سجلات المحاكم الشرعية العثمانية المحفوظة بمركز الوثائق التاريخية بدمشق .

https://lh4.googleusercontent.com/-g...urshidiyya.JPG
و نعود إلى ما أوقفت هذه السيدة الجليلة خديجة خاتون على المدرسة المرشدية الحنفية أوقافًا كثيرة . وقد كُتب على عتبة بابها ما نصه :

بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوقفت الست الجليلة عصمة الدين خديجة خاتون بنت السلطان الملك المعظم شرف الدين عيسى بن السلطان الملك العادل سيف الدين /
أبي بكر بن أيوب وذلك حصة من حمام بستان الكليب خمسة أسهم وثلثي سهم وخُمس سهم وسُبع سهم ومن طاحون الطرف الخمس ودار بجبل الصالحية وحصة بقرية تقي الدين /
سبعة أسهم ونصف سهم و ربع سهم وثلث عشر سهم وحصة بقرية الطزة ثاثا سهم وثلث سبع وحصة بخان عاتكة ثمان اسهم و نصف وحصة /
بجنة عسال من قصر معلولا ثلث أسهم، ومن الجبة سهم ونصف ومن القربانية سبع أسهم وبستان الماردانية بكماله وذلك في شهر ( ؟ ) وفي سنة خمسين و ستمائة رحم الله واقفت هذا المكان .

انتهى
ويتضح من هذا النص كثرة الأوقاف التي أوقفتها السيدة خديجة خاتون سنة 650 هجرية على تلك المدرسة للإنفاق منها على مدرّسيها ، وفقهائها ومبانيها ، ولضمان استمرارها واستمرار تدريس المذهب الحنفي فيها .

https://lh5.googleusercontent.com/-v...urshidiyya.JPG

توفيت السيدة الجليلة خديجة خاتون رحمها الله تعالى كما ذكر ابن طولون بالقلائد الجوهرية في عام 654 للهجرة الموافق 1256 للميلاد و دفنت في تربتها داخل المدرسة ( و أظن أنها مدفونة تحت القبة ولكني لم أستطع مشاهدة القبر ) .
وذكر شيخنا الجليل المرحوم عبد القادر بن بدران في منادمته لأطلالها و مسامرة خياله تجاهها حين زارها و زار ربوعها فقال :
هي الآن موجودة في حكم مفقودة في صورة موجودة ينشد لسان حالها فيقول :
درسوا العلوم ليملكوا بجدالهم *** فيها صدور مراتب ومجالس
وتفقهوا حتى ينالوا فرصة *** من أخذ مال مساجد ومدارس

https://lh5.googleusercontent.com/-Z...urshidiyya.JPG

ولقد وقفت عليها أمام باب المدرسة ، فرأيت بابها باباً عظيماً ، والجدار الشمالي منها عجيب البناء جدا ، إلا أن داخلها خراب ، وقد اختلسها قوم فاتخذوها للسكنى ، وإذا وفق الله لها من يلم شعثها أصبحت مدرسة بديعة زاهرة .. .

https://lh5.googleusercontent.com/-d...urshidiyya.JPG
وهي الآن مسجد صغير الى جانبه قبر الضريح المزخرفة حيطانها بزخارف جصية بديعة .


https://lh4.googleusercontent.com/-U...urshidiyya.JPG
الزخارف الجصة التي زينت جدران غرفة قبة الضريح


https://lh4.googleusercontent.com/-O...urshidiyya.JPG
و للمدرسة جبهة حجرية عريضة يتخللها أربعة نوافذ منخفضة الارتفاع ، وكانت هذه النوافذ هي غرف الدرس .. أيام ما كان بها درس .... و تدريس .... و دراسة

https://lh4.googleusercontent.com/-f...urshidiyya.JPG

الواجهات الخارجية :
تعتبر الواجهة الشمالية المطلة على الشارع : هي الواجهة الرئيسية للمدرسة ، و تخترقها النوافذ و أيوان المدخل و حجارتها ضخمة منحوتة بشكل جيد .

https://lh3.googleusercontent.com/-2...urshidiyya.JPG

نلاحظ تنوع الحجارة .. منها الضخمة ، و منها لعادية .. مما يعطي انطباعاً أنها تعرضت لأعمال تجديد في مراحل سابقة . والأجزاء العلوية صغيرة الحجم ومشيدة بحجارة غشيمة ، لكنها نظيفة جداً .

https://lh6.googleusercontent.com/-p...urshidiyya.JPG

بوابة المدرسة و قاعدة بناء المئذنة القائمة في منتصف مجمع غرف المدرسة ، وقد اختلست جميع هذه الغرف و لم يبق فيها أثر العلم و المعرفة .. بعد أن سيطر على العقول الجهل و الجهالة .

ولاح ببالي كلام المرحوم والدي محمد شحادة الأرمشي ( رحمه الله و طيب ثراه ) حين حدثني عن مدارس الصالحية .. وما أل مآلها و أحوالها .. وعن اختلاس مبانيها .. واختلاس أوقافها عياناً ... دون شفقة أو رحمة ... وفي عيني دمعة : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .... كيف أصبحت مدارسنا ذات القيمة العلمية .. و كيف أضحت دور العلم على هذه الشاكلة ؟؟ !! ... ( مختلسة ) ونحن أمة أقرأ ، و أُمرنا بالعلم و التعلم ؟؟
والله .. .. لا ادري ماذا أقول ؟؟؟ !!! ... وأتفطر حزناًً و ألماً لما آلت إليه حالنا .. بعد أن كنا في مقدمة الأمم ... بالعلم ... وبالإيمان.. .. وبالمعرفة ، فأصبحنا أمة تأكل مما لا تزرع ... و تلبس مما لا تصنع.

https://lh5.googleusercontent.com/-D...urshidiyya.JPG
بوابة المدرسة المرشدية ذات القوس المدبب و بداخله الساكف الحجري لوقفية المدرسة

ما بقي من أجزاء المدرسة ... بوابتها الحجرية ، و لو استطاعوا أن يختلسوها .. لفعلوا ..
فهي بوابة كبيرة نوعا ما على شكل قوس كبير مدبب الرأس ، و تشبه بوابات المدارس الأيوبية التي أنشأت في تلك الفترة كمدرسة دار الحديث الأشرفية المقدسية البرانية المتاخمة لها ، بدون مقرنصات أو زخارف على طرفيها .
وبوابتها غائرة الى الداخل حوالي نصف متر ليأتي الباب و ساكفة الباب فوق المدخل مباشرة و مكتوب عليها أوقاف المدرسة كما أسلفنا سابقاً .

https://lh5.googleusercontent.com/-L...urshidiyya.JPG

ينزل الى فسحة المدرسة بعدة درجات و لكني لم أستطع مشاهدة أي غرفة .. لكونها تحولت الى عدة بيوت للسكن ، وقد غيروا في شكلها الداخلي ... ببناء جداران حديثة فاصلة بين بعضها البعض ، ولم أحاول قرع الأبواب خوفاً من أن أتعرض مرة أخرى إلى ما لا يرضيني من تجهم أصحاب البيوت الذين اختلسوها .

https://lh3.googleusercontent.com/-N...urshidiyya.JPG

https://lh5.googleusercontent.com/-S...urshidiyya.JPG

قبة المدرسة المرشدية أو ( مدرسة الخاتون ) من القباب الأيوبية الصرفة .. ولكنها ملساء البناء وليس محززة ، بل مدببة ، تم تجديدها على أغلب الظن في ثمانينات القرن العشرين لأن الصور التي عرضت في أول البحث تظهر تهدم قرص القبة كلياُ .
ترتكز على رقبة مضلعة من طبقتين ، و تتكون الرقبة السفلية من ثمانية أضلاع ، تزينها أربع نوافذ مقوسة توأم ضمن قوس ، و أربع أخريات هن نوافذ صماء مقوسة .
بينما الرقبة العلوية فتتألف من ستة عشر ضلعاً تزينها بالتناوب ثماني نوافذ مقوسة ، و أربعة محاريب بطاسات ملساء ، و أربعة محاريب بصدفات متعددة الحزوز ، وقد تآكلت مع مرور الزمن ولكن ما يشوه منظرها هو الصبغ الأحمر الغير موفق مطلقاً في عمليات طلاء معظم قباب أوابد مدينة دمشق .

https://lh6.googleusercontent.com/-i...urshidiyya.JPG

رقبتي القبة و زخارفها
ترتكز قبة المدرسة المرشدية على رقبة مضلعة من طبقتين ، و تتكون الرقبة السفلية من ثمانية أضلاع ، تزينها أربع نوافذ مقوسة توأم ضمن قوس ، و أربع أخريات هن نوافذ صماء مقوسة . بينما الرقبة العلوية فتتألف من ستة عشر ضلعاً تزينها بالتناوب ثماني نوافذ مقوسة ، و أربعة محاريب بطاسات ملساء .

https://lh4.googleusercontent.com/-e...urshidiyya.JPG
الصدفة المحززة و المحفورة بشكل أنيق في جذع الرقبة

صدفة القبة متعددة الحزوز ، وقد تآكلت مع مرور الزمن ولكن ما يشوه منظرها هو الصبغ الأحمر الغير موفق مطلقاً في عمليات طلاء معظم قباب أوابد مدينة دمشق .

https://lh6.googleusercontent.com/-M...urshidiyya.JPG
قاعدة المئذنة الحجرية منتصبة بجوار القبة

الى جانب القبة و متاخمة ملاصقة لها ، ترتفع المئذنة الحجرية الجميلة ذات الحجارة الضخمة بكل رشاقة ، وقد كتب عنها الكثيرون بأنها المئذنة الوحيدة الباقية من نوعها من القرن السابع الهجري .
فمعظم المآذن كانت تبنى من الآجر و الطوب و تغطى بطبقة من الكلس الأبيض كما هي جارتها مئذنة المدرسة الأتابكية و مئذنة المدرسة الماردانية و مئذنة جامع باب مصلى و كذلك جامع الحنابلة .

https://lh6.googleusercontent.com/-k...shidiyya_M.JPG
جذع المئذنة الحجرية يتخللها كوة لإنارة درج المئذنة

وأستطيع الجزم بأن هذه الكتلة المعمارية من البناء .. هو البناء الأصلي و الفريد الباقي على حاله كمئذنة متكاملة منذ العهد الأيوبي و لغاية اليوم دون ترميم أو تجديد ، و ينقصها فقط شرفة المؤذن و المظلة التي كانت موجودة و تشبه الى حد كبير مئذنة جارتها ( المدرسة الأتابكية ) .


https://lh4.googleusercontent.com/-2...shidiyya_M.JPG
الصورة بعدسة البروفسور مايكل غرينهلغ / الجامعة الوطنية الأسترالية

الكتلة المعمارية الكاملة لمئذنة المدرسة المرشدية الحجرية

https://lh3.googleusercontent.com/-3...urshidiyya.JPG

أهم ما يميز هذه المدرسة : منارتها الفريدة و المتفردة في حجارة بنائها ، و هي المنارة هي الوحيدة الباقية من نوعها من القرن السابع الهجري .

فيما ذكر المسيو : جان سوفاجيه ( Jean Sauvaget ) في كتابه الآثار التاريخية الذي علق عليه الدكتور أكرم حسن العلبي : أن المدرسة و المئذنة يعود تاريخها الى سنة 650 للهجرة أي ما يوافقه 1252 للميلاد . كما هو ثابت في المراجع التاريخية .

https://lh6.googleusercontent.com/-q...urshidiyya.JPG

كما يعتبر الشيخ محمد أحمد دهمان رحمه الله في كتابه / رحاب دمشق : أن هذه المئذنة هي أقدم مئذنة بقيت محافظة على شكلها الأصلي منذ العصر الأيوبي ولغاية اليوم .. نسبة الى كتلتها المعمارية الحجرية ، وتماسك حجارة بنائها القويمة والكبيرة ، ومرجعا لمخطط الأماكن الأثرية المعروفة التي وضعها الشيخ المذكور بين سنة 553 ـ 1153 هجرية لمدينة الصالحية نجدها تحت رقم ـ 73 ـ في حي المدارس بالسهم الأعلى .

https://lh4.googleusercontent.com/-T...urshidiyya.JPG
ابن طولون المؤرخ الدمشقي الصالحي أورد في كتابه القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية فقال : مئذنة المدرسة المرشدية وهي حجارة بطبقة واحدة ، جددت درابزينها في حدود سنة 910 هجرية .

سأدرج هنا رسمة زيتية رسمها فنان أوروبي زار دمشق في منتصف القرن التاسع عشر ، وتبدو المئذنة وبها حوض الشرفة فقط ، وهذا هو من خصائص عمارة المآذن في العهد الأيوبي ( على الرغم من أن الصورة مرسومة يدوياً لا يؤخذ بها كمصدر موثوق ، إلا أن رسامي تلك الفترة كانوا من الأمانة التاريخية و الأثرية للمناظر العامة محط ثقة .. ما يجعلنا نأخذ رسوماتهم بعين الاعتبار بشكل نسبي )

https://lh3.googleusercontent.com/-q...urshidiyya.JPG
Damascus from Salahiyeh Sunset over the city

مشهد بانورامي لغروب الشمس كما هو مكتوب في أسفل الرسم لفنان أوروبي زار دمشق في منتصف القرن التاسع عشر لحي الصالحية و سفح قاسيون وتظهر بالوسط مئذنة المدرسة المرشدية ، ثم في اليسار مئذنة المدرسة الأتابكية وبالعمق الغوطة تطوق دمشق من جميع الاتجاهات .

https://lh6.googleusercontent.com/-5...mas%2C+vue.JPG

Damas, vue prise de Salhieh
صورة حقيقية و ليست رسم في نهايات القرن التاسع عشر ، و تبدو المئذنة خالية من الشرفة و المظلة ، و كأنها برج حجري متعدد الطبقات الذي لا يعني شيئا ، بالنسبة إلى اسلوب عمائر المآذن في تلك الفترة . والغريب أن مئذنة هذه المدرسة بقيت خالية من الشرفة و المظلة حتى تاريخ كتابة هذا البحث.. ولا ندري لماذا لم يتم ترميمها و إعادتها الى وضعها السابق . ؟؟
صورة رائعة جداً وملونة و دقيقة لدمشق من سفح قاسيون للمصور الفرنسي فيليكس بونفليس عام 1890 . في مقدمة الصورة قطعان من الخراف تسرح في سفوح جبل قاسيون الغربية بحثاً عن الكلأ ، ومن خلفها دور و بيوت قديمة تشكل قسماً من حي الصالحية القديم ، ويظهر بشكل واضح حي المدارس نسبة لما كان فيه من المدارس القديمة المتعددة ، و في أقصى اليمين تظهر بوضوح تربة أمة اللطيف و الى اليسار التربة الكجكرية ، ثم قبة النبي يونس ، تبدو قبة تربة الشيخ على الفرنتي ثم مئذنة المدرسة المرشدية وقد تداعت القبة و سقط قسمها العلوي وبقيت المحاريب الحاملة للقبة بالإضافة للمئذنة التي سقطت شرفتها ومظلتها المربعتين ، وبقيت الى يومنا هذا بدون شرفة و مظلة ، وفي العمق القريب يمكن مشاهدة قصر عثمان نوري باشا ذو الهرم القرميدي ثم بعده تبرز مئذنة جامع الماردانية بنفس الجهة عند الجسر الأبيض ثم بعدها قبة حمام عبد الباسط ، ثم مبنى المستشفى الطلياني بسطحه القرميدي و بجواره مبنى زيوار باشا ( مدرسة جول جمال المندرسة ) ، ويتخفي طريق الصالحية ضمن الأشجار الكثيفة الممتدة حتى مشارف دمشق القديمة / عماد الأرمشي .
أقول هنا و أنا أقف في حي المدارس .. و أمامي هذه العمائر التي كانت دور علم تشع بها عقول طلابها .. و كيف اختفت هذه المظاهر ، ولم يعد لها وجود مع تقدم درجات الزمن .

https://lh3.googleusercontent.com/-h...urshidiyya.JPG

و تظهر في الصورة الأبنية العربية القديمة المتاخمة لقبة الزاوية و التربة الفرنتية ( غير ظاهرة بالصورة بشكل واضح ، ثم قبة المدرسة المرشدية و المئذنة الحجرية الرشيقة ، ثم يليها في البناء المدرسة الأشرفية المقدسية البرانية ، ثم تبدو مئذنة المدرسة الأتابكية ، ثم الطريق الواصل إلى سوق الجمعة و جامع الشيخ محي الدين .

https://lh6.googleusercontent.com/-j...urshidiyya.JPG

وقد ذكر الباحثان كارل ولتسينجر و كارل واتسينجر في كتابهما الآثار الإسلامية في مدينه دمشق صفحة ـ 250 ـ ضمن البعثة الألمانية العثمانية التي أجرت مسحاً ميدانياً شاملاً للأبنية الأثرية والإسلامية بدمشق فقالا :
هي مدرسة وتربة بقية لخديجة بنت الملك سيف الدين أبو بكر تؤرخها الكتابة المنقوشة فوق المدخل بسنة 666 ( و علق الدكتور عبد القادر الريحاوي أن هذا التاريخ ـ 666 ـ غير صحيح لأن المدرسة و التربة هي أيوبية .. وأنشئت كما تذكر المصادر سنة 652 للهجرة أي في أواخر العهد الأيوبي ، بينما عام 666 يقع في العهد المملوكي ) .

https://lh5.googleusercontent.com/-P...urshidiyya.JPG

و تابع الباحثان ، أنه الى الشرق من هذا البناء تنتصب مئذنة ملساء مشيدة من حجارة و مداميك متقنة و منفذة بتقنية عالية ، بيد أنه لم يبق من شرفة المؤذن الخشبية إلا جزء بسيط منها ، و تتألف المئذنة من جذع سفلي مربع الشكل و يعلوه جذع مثمن و آخر مستدير ثم وصلة ثالثة من المدليات ، و أخيرا تأتي القلنسوة في عهدها الأيوبي ، ومن الجائز أن يعود الجزء السفلي لهذه المئذنة الى القرن السابع للهجرة .
بعد عودتي الى البيت من زيارتي الميدانية لحي المدارس وقفت أتأمل الصور التي التقطها للمدرسة ( عن كيفية رفع هذه الحجارة الضخمة الى أعلى المئذنة ـ بدون رافعات برجية ) و رصفها و نحتها بشكل متجانس جميل وعن كيفية تشكيلها لتأتي بالمرتبة الأولى من المآذن الأيوبية ذات الحجارة الضخمة الماثلة عياناً الى اليوم ، كشاهد على الحضارة الإسلامية .
فهي مئذنة ضخمة بحق .. حجرية خالية طبعاً من المقرنصات وبقية العناصر التزيينية مبنية على ثلاثة طبقات مربعة وبسيطة و متقشفة في عمارتها ضخمة في شكلها يتخللها نوافذ مربعة لإنارة بيت درج المئذنة ، ومتوجة بقمة حجرية منحوت فيها محاريب صغيرة صماء وصولاً لقمة المئذنة على شكل خوذة .

https://lh6.googleusercontent.com/-R...urshidiyya.JPG

في النهاية أقول : لقد أوقفت الأميرة الجليلة الفاضلة خديجة بنت الملك المعظم مدرستها المدرسة المرشدية لعموم المسلمين .. و قد استخدمت المدرسة لأغراض تربوية إسلامية و تعليم أصول الدين ، وقد ذكرها المؤرخون بأنها سيدة الأميرات الأيوبيات توفيت رحمها الله في بستان الماردانية ودفنت بتربتها في المدرسة المرشدية التي أنشأتها الى جوار تربة الشيخ علي الفرنتي بسفح جبل قاسيون . رحمها الله وتقبل منها‏ . فترحموا عليهما رحمها الله تعالى .

https://lh4.googleusercontent.com/-V...urshidiyya.JPG

ومن هذا المنبر : أدعو الدوائر المختصة و المعنية في دمشق .. بوقف اختلاس أثار و مدارس وأوقاف آثار البلد ... عياناً .. جهاراً ... في وضح النهار .... هذه الآثار تعود أوقافها إلى وزارة الأوقاف .. أو لمديرة الآثار و المتاحف ووزارة السياحة ، و إن لم يكن كذلك فهي ملك للحق العام .. لعامة الناس .
ولابد من استرجاعها من المختلسين ........ الذين تعدوا عليها عبر السنين الماضية فأوقفوا مهمتها و عطلوا أوقافها . فلنرفع الصوت عالياً في وجه من يحاول اختلاس البلد و اختلاس مرافقه .

https://lh3.googleusercontent.com/-e...urshidiyya.JPG

إعداد عماد الأرمشي
باحث تاريخي بالدراسات العربية والإسلامية لمدينة دمشق


المراجع :
ـ في رحاب دمشق / العلامة الشيخ محمد أحمد دهمان
ـ منادمة الأطلال و مسامرة الخيال / الشيخ عبد القادر بن بدران
ـ القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية / أحمد بن طولون الصالحي
ـ الدارس في تاريخ المدارس / الشيخ عبد القادر بن محمد النعيمي الدمشقي
ـ الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام و الجزيرة / الشيخ يوسف ابن شداد
ـ مشيدات دمشق ذوات الأضرحة و عناصرها الجمالية / د. قتيبة الشهابي 1995
ـ معجم الألفاظ التاريخية في العصر المملوكي / العلامة الشيخ محمد أحمد دهمان
ـ الآثار التاريخية في دمشق / جان سوفاجيه عربه وعلق عليه د. أكرم حسن العلبي
ـ موقع البروفسور مايكل غرينهلغ / الجامعة الوطنية الاسترالية
Demetrius at the Australian National University Art Serve
Professor Michael Greenhalgh
البروفسور كيبل كريسوال ، متحف أشموليان ـ جامعة هارفارد / 1908
Ashmolean Museum of Art, Harvard. Professor K.A.C.Creswell
ـ الآثار الإسلامية في مدينه دمشق / تأليف كارل ولتسينجر و كارل واتسينجر، تعريب عن الألمانية قاسم طوير، تعليق الدكتور عبد القادر الريحاوي
- Damaskus: die islamische Stadt / Carl Watzinger & Karl Wulzinger



الساعة الآن 06:22 PM

madani® Copyright ©2000 - 2019, naim-almadani

حق العلم والمعرفة للجميع * والتاريخ هو تاريخ أمة * لذلك متنازلون عن جميع الحقوق بنقل او اقتباس شريطة الاشارة الى المنتدى * جميع المشاركات المكتوبة تعبّرعن وجهة نظر كاتبها ولا تعبّر عن وجهة نظر إدارة المنتدى

a.d - i.s.s.w