#1  
قديم 04-07-2019, 08:19 PM
الصورة الرمزية naim
naim غير متواجد حالياً
مدير عام
 
تاريخ التسجيل: Apr 2019
المشاركات: 332
افتراضي خانات دمشق بين الأمس و اليوم


خانات دمشق بين الأمس و اليوم / مقدمة





الخانات جمع خان :
هي لفظةٌ فارسيّة الأصل ، أُطلِقت على مكان مبيت المُسافرين ، وهي نوعان :
الأوّل : (خان براني
) أقيم على طُرُق السفر خارج المدن المتباعدة ، وبنيت في بادئ الأمر على منابع المياه ومجاري الأنهار ويبتعد الواحد من الآخر مسيرة نهار ، أيّ ما يقارب الثلاثين كيلومتراً ، وكان الخان يقدّم الخدمات للتّجار والرّحالة والمسافرين كافة ، ويوفر لهم الراحة ويجنبهم مشقّة ومخاطر السفر ليلاً ، حيث تضم الخانات مستودعات لحفظ البضائع وإسطبلاتٍ مختلفةً ، لإيواء العربات وأنواع الحيوانات التي لا تتجانس في الزّرائب .



فالخيول تأنف من روائح الإبل ، والبغال لا تسكن مع الحمير، وكانت الإسطبلات مجهّزة بلوازم إصلاح العربات ورعاية الدواب والعناية بها إلى جانب تلك المرافق والخدمات يوجد أحواض مياه في وسط صّحن الخان ومشرب البهائم ، وفرن ومُصلى ، وكذلك الحمّام .



واستُعمِلَت في بناء الخانات مواد اختلفت باختلاف الموقع ، فقد تكون من طينٍ أو من قرميدٍ مشويّ أو نيء كما هو الحال في العراق وإيران ومصر ، أو من حجارةٍ كلسيةٍ أو بازلتيّة كما هو الحال في الشّام وتركيا.
ومع مرور الزمن قامت حول الخانات تجمّعات سكنية أصبحت مُدناً فيما بعد ، مثل خان العسل ، وخان دنون وخان أرنبة و خان الشيح وخان شيخون في سوريا وخان يونس في أرض فلسطين الجنونية وغيرهم كثير.

أمّا التّصميم : فكان الخان مربع المسقط إجمالا وغالبًا مكون من طابقين ، تحتلّ أركانه أبراج للمراقبة وللدّفاع عنه . وقد يحيط به سور خارجي مدعّم وبوابة مصفّحة ضخمة محكمة الإغلاق ليلاً، وكأنّه حصن صغير. وكانت غرف المسافرين موزّعة بين الطابقين أو في العليا فقط. وفي بعض الخانات المتواضعة ، كانت قاعة النّوم مشتركةً يرقدُ فيها المسافرون ، على منصّاتٍ مرتفعةٍ عن الأرض. وكانوا يجلسون عليها نهارًا.



ومن الملاحظ أنّ خانات السّهول كانت أوسع من خانات الجبال . كما كانت خانات البلاد الباردة تخلو من الصّحن المكشوف ، ولقد أخذت الخانات إجمالا بعد انتشار الإسلام ، تصميمين رئيسين:
الأوّل إيراني بِقَاعاتٍ متطاولةٍ موازية للصحن المركزي . ولكنّ هذا التّصميم ما لبث أن أخذ شكل الأواوين ، وقد احتلت البوابة في عمارته مركزًا على جانبٍ كبيرٍ من الأهمّية .
التّصميم الثاني فهو بأربعة أضلاعٍ وصحنٍ مركزيٍّ تحيط به الأروقة ، قديم العهد ، يعُرَف بالطّراز الشامي .

أمّا النّوع الثاني من الخانات ( خان المدينة ) : فكان خانات المُدن التي كانت تشترك مع خانات الطّرق في ما تقدّم من خدماتٍ ؛ وتضمّ مرافق لخدمة النزلاء ، وتختلف أنواع الخدمات من خان إلى آخر ، إضافةً إلى ما كان يمكن أن تقدّمه المدينة بشكلٍ أفضل لزوّارها ، كالحمام والمسجد والمطعم وشغل البيطار وغير ذلك من الضّروريات والكماليات. وكما كانت خانات الطّرق تُمثل المحطّات الحسّاسة على مفارق الطّرق ومجاري المياه ومراكز الحدود ، لذلك احتلّت خانات المُدُن مداخل المدن ، خارج السّور أو داخله أيام السّلم وفي قلب الأسواق وبجوار الحمامات والمساجد .



كانت وظيفة الخان في المدينة استقبال التجار بشكلٍ عامٍ ، من باعة الجُملة ومُروّجي البضائع ومراسلي المستوردين والوسطاء . وفي هذا المكان كان يتمّ البيع والشّراء ، ثم صار الخان منزلاُ طويل الأجل لاستقبال المُسافرين ريثما ينتهون من بيع بضاعتهم و يتمّون تجارتهم ، وكما كان لكلّ بضاعةٍ دار، فصار لها خان يرتبط اسمه بها فهنالك مثلا : خاناً للحرير وخاناً للحبالين وخاناً للزيت وخاناً للرز وخاناً للصوف وخاناً للقطن وخاناً للجلود وخاناً للزعفران وخاناً للقيشاني وخاناً للتوتون وخاناً للصنوبر وخاناً للجوخ و الخياطين وخاناً للنحاس وخاناً للصّابون وخاناً للورق .




كما أن بعض الخانات ارتبط باسم مؤسّسه أو مالكه مثل خان جقمق وخان المرادية وخان سليمان باشا وخان أسعد باشا وخان السفرجلانية وخان العامود وخان العصرونية وخان الصوّاف وخان السلق ، وخان مردم بك وخان الجيجاوي وخان الكزبري وخان شموط وخان القوتلي .
وتصميم شكل الخان لم يتغير على مرّ العصور ، فأخذ تخطيط صحنٍ مركزيٍ مكشوفٍ يتوسّطه حوض ماء وتحيط بالصّحن بوائك ( جمع بايكة ) أُقيمت الدكاكين تحتها ، لتبقى أبوابها محميّةً من الحرّ صيفًا ومن المطر شتاءً . كذلك ارتبط ريع الخان إداريا بأوقاف لصيانة المساجد أو المدارس أو لكفالة الأيتام و رعاية من لا عائل لهم ، والذين لا يقدرون على الكسب و العجزة وكبار السن المنقطعين و الأرامل من النساء اللائي لا يستطعن ضرباً في الأرض إلى جانب الفقراء و الغرباء و عابري السبيل الذين لا يجدون لهم مأوى في البلاد التي يمرون بها و خاصة إذا كانوا قاصدين حج بيت الله الحرام ، ولم يبق من كلّ تلك الخانات إلاّ العدد القليل ؛ واقتصرت خدمات الخان على استعماله كمستودعات ، ودكاكينه من قبل مستأجرين لا تجمعهم إلاّ نادرًا تجارةٌ مشتركةٌ أو مِهَنٌ واحدةٌ ، وربّما سكنت غرفةً عائلاتٌ فقيرةٌ.



فالخانات إذًا هي الأبنية المخصّصة لإقامة المسافرين وقوافل التّجار، وهي لها أهمّيتها الخاصة في العمارة الإسلامية، حيث عُرِفَت منذ العصور الإسلاميّة الأولى .
ولعلّ أقدم خان خارجي أنشئ في العهد الإسلامي هو الخان الذي بناه الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك عام 748 ميلادي ، على مقربةٍ من قصر الحير الغربي في البادية السّورية ليربط بين مدن العراق وتركيا و الشام . كما اشتهرت الخانات بواجهاتها المُزيّنة بزخارف جميلةٍ ومداخلها القوسيّة الضّخمة التي كانت تُغلَق بواسطة مصرعيّ بابٍ خشبيٍّ مصفّح بالحديد والنّحاس وأصبحت باحة الخان مسقوفة بالقباب والعقود . وكان هناك بعض الخانات عظيمة الاتساع كخان أسعد باشا العظم في دمشق و الذي يعتبر أعظم و أضخم آبدة معمارية باهرة تفوق نظائرها في جميع أنحاء العالم الإسلامي بما فيها الأوابد العثمانية في تركيا و التي انتشرت فيها الخانات الإسلامية كما سيأتي ذكره لاحقاً .
وللأسف تفتقر أكثر الخانات إلى المصادر التاريخية ، سواء منها الخانات المتبقية والماثلة حتى اليوم في دمشق ، أو المندثرة المهدمة ، وسنذكر ضمن بحثنا هذا أهم الخانات الدمشقية التي مازالت باقية ، والتي شملتها عمليات الترميم ، والتأهيل ، بعد أن أهملت ردحاً طويلاً من الزمن .



ولا بد من القول إن جميع الخانات المتبقية حسب ما ورد في نشرات وزارة السياحة السورية ، مسجلة في القوائم الأثرية ، وهذا يعني أنها تحت حماية السلطة الأثرية ورعايتها ، ولا يجوز هدمها وتغيير أوصافها حتى ولو أرادت ذلك السلطات البلدية أو الوقفية ذلك ، لان منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة أدرجتها على لائحة التراث العالمي الإنساني لائحة «المواقع التراثية» المحمية لما فيها من آثار تعود إلى القرن الثامن للميلاد .
وسنبدأ بذكر بعض الخانات الماثلة في دمشق الى اليوم بدأً من الخانات التي أنشئت في العصر المملوكي ، والتي بلغت حوالي مائة وخمسين خاناً بقي منها عدد قليل فقط ، وحتى نهاية العصر العثماني .


إعداد عماد الأرمشي
باحث تاريخي بالدراسات العربية والإسلامية لمدينة دمشق

رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:25 AM


madani® Copyright ©2000 - 2019, naim-almadani

حق العلم والمعرفة للجميع * والتاريخ هو تاريخ أمة * لذلك متنازلون عن جميع الحقوق بنقل او اقتباس شريطة الاشارة الى المنتدى * جميع المشاركات المكتوبة تعبّرعن وجهة نظر كاتبها ولا تعبّر عن وجهة نظر إدارة المنتدى

a.d - i.s.s.w