#1  
قديم 04-10-2019, 08:22 PM
الصورة الرمزية naim
naim غير متواجد حالياً
مدير عام
 
تاريخ التسجيل: Apr 2019
المشاركات: 332
افتراضي المدرسة المرشدية


المدرسة المرشدية
للباحث عماد الأرمشي .



أدعو الدوائر المختصة و المعنية في دمشق .. بوقف اختلاس أثار و أوابد البلد .. عياناً .. جهاراً .. في رابعة النهار.. هذه الآثار تعود أوقافها إلى وزارة الأوقاف أو لمديرة الآثار و المتاحف ، و إن لم يكن كذلك فهي ملك للحق العام .. لعامة الناس .
ولابد من استرجاعها من المختلسين .. الذين تعدوا عليها عبر السنين الماضية فأوقفوا مهمتها و عطلوا أوقافها . فلنرفع الصوت عالياً في وجه من يحاول اختلاس البلد و اختلاس مرافقه.


المدرسة المرشدية

تقع المدرسة المرشدية أو ( مدرسة الخاتون ) خارج أسوار مدينة دمشق القديمة بجادة حي المدارس في صالحية دمشق ، يحدها غرباً الزاوية الفرنثية أو تربة الشيخ على الفرنتي ، ويحدها شرقاً مدرسة دار الحديث الأشرفية المقدسية البرانية الحنبلية ، ويحدها شمالاً شارع حي المدارس .
وقد ذكر مؤرخ الشام الشيخ يوسف ابن شداد بالأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام و الجزيرة أن منشئتها بنت ملك دمشق الملك المعظم شرف الدين عيسى ابن الملك العادل في سنة أربع وخمسين وستمائة على نهر يزيد جوار دار الحديث الأشرفية .



مؤرخ مدارس الشام الشيخ عبد القادر بن محمد النعيمي ذكر بكتابه الدارس في تاريخ المدارس أن من أمر ببنائها في عام 650 للهجرة ـ 1252 للميلاد الأميرة الأيوبية الفاضلة السيدة خديجة خاتون ، ابنة الملك المعظم شرف الدين عيسى بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن نجم الدين أيوب ، على ضفاف نهر يزيد ، بجوار دار الحديث الأشرفيّة المقدسية البرانية ، والتي بناها عمها الملك الأشراف مظفر الدين أبو الفتح موسى ابن الملك العادل رحمهم الله جميعاً وتقبل منهم صالح الأعمال .


تصوير البروفسور كيبل كريسوال ، متحف أشموليان ـ جامعة هارفارد / 1908

ومن هنا فإننا ندرك بروز دور بعض السيدات الخاتونات الأيوبيات في الحياة العلمية كالسيدة خديجة خاتون بنت الملك المعظم ، ومدى اهتمامها الراسخ و القوي بالدارسين والعلماء ، وتعتبر هذه المدرسة من أفضل وأكبر المدارس الحنفية بدمشق . حيث يدرّس فيها المذهب الحنفي والمعروف أنّ أباها الملك المعظم عيسى كان هو الوحيد من أبناء السلطان الملك العادل الأيوبي الذي اتبع المذهب الحنفي ، بل كان مغالياً بالتعصب لمذهب أبى حنيفة .
وقال له أبوه مرة : كيف اخترت مذهب أبى حنيفة ؟؟ وأهلك كلهم شافعية ؟
فقال متبسماً : يا خوند ، أما ترغبون أن يكون فيكم رجل واحد مسلم !! ، لذلك يبدو أن السيدة خديجة خاتون رحمها الله تعالى تأثرت بفكر أبيها واتبعت هي الأخرى المذهب الحنفي ، وأوقفت هذه المدرسة على دراسته و دراسة فقهه و عباداته .



و تابع الشيخ عبد القادر بن محمد النعيمي أن أول من درس بها صدر الدين أحمد بن شهاب الدين علي الكاشي . ثم انتزعت من يده ووليها صدر الدين إبراهيم بن عقبة إلى أن توجه إلى حلب المحروسة فوليها بعد صدر الدين علي وهو مستمر بها إلى الآن انتهى. ( أي في أيام الشيخ عبد القادر النعيمي بالعصر المملوكي )
قلت: ( أي النعيمي ) قال قاضي القضاة النجم الطرسوسي في شرح منظومته:
أن أول من درس بها الشمس بن عطاء حيث قال فيه : قاضي القضاة شمس الدين أبو محمد عبد الله بن محمد بن عطاء بن جبير بن جابر بن وهيب الأذرعي الحنفي المعروف بالقاضي عبد الله . ميلاده سنة تسع وتسعين وخمسمائة تفقه على الشيخ رشيد الدين سعيد بن علي البصروي ، وقاضي القضاة صدر الدين علي بن أبي القاسم البصروي ، واتفق أن والده كان حنبلي المذهب وكان يتعالى في الشيخ الفقيه اليونيني البعلبكي ورحل إليه إلى بعلبك .
وأقرأ ولده عبد الله المشار إليه القرآن على الشيخ الفقيه ثم استأذنه فيما يشتغل به ولده ، فأشار الشيخ الفقيه بأن يشغله على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه .. فاشتغل وحفظ القدوري ورحل إلى دمشق ، فتفقه بها حتى صار رئيس الحنيفة .
ودرس بالخاتونية العصمية و بالمرشدية وهو أول من درس بها وباشر نيابة القضاء بدمشق مدة عن قاضي القضاة أحمد بن سني الدولة الشافعي ، وعمن بعده من القضاة الشافعية يعني قبل حدوث القضاة الأربعة ، ثم ولي القضاء استقلالاً من السلطان الملك الظاهر بيبرس الصالحي في سنة أربع وستين وستمائة ، وفي سادس جمادى الأولى منها استناب القاضي بدر الدين المظفر بن رضوان النبجي المدرس بالمعينية واستمر قاضي القضاة إلى أن توفي .



دار العدل
وجرت له حكاية مليحة مع السلطان الملك الظاهر بيبرس لما احتط على البساتين بدمشق حين حضر السلطان بدار العدل بدمشق ، وجرى الكلام في ذلك ، فتكلم قاضي القضاة شمس الدين عبد الله المذكور بين الحاضرين .. وقال القاضي بدر الدين لأرباب الأملاك :
ولا يحل لأحد أن ينازعهم في أملاكهم ، ومن استحل ما قد حرم الله ، فقد كفر..
فغضب السلطان غضباً شديداً .. وتغير لونه .. ثم قال :
أنا كفر ؟؟ .. أنا كافر ؟؟ .
فنهض بيبرس وقال : انظروا لكم سلطاناً غيري ..
وكان الذي حمل القاضي على هذا الكلام مخافة الله ، وخشيته . وألقى الله تعالى على خاطره هذه الآية الكريمة :
( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ) . الآية .
وانفض المجلس على وحشة من السلطان ، فلما كان الليل أرسل السلطان طلب القاضي بدر الدين ، فخاف .. و أوصى .. وودع أهله .. وراح إلى السلطان .. وفي ذهنه انه لا يعود .
فلما دخل قام السلطان وعظمه وقال : يا قاضي تكفرنا اليوم .. !! فقال : يا مولانا أنا ما خصصت مولانا السلطان بهذا الكلام ، ولكن كل من استحل ما حرم الله فقد كفر ، فقال السلطان لحاشيته: القاضي كما هو يكفرنا فخلع عليه و أكرمه .. ورجع إلى بيته مجبوراً معظماً.


صورة منقولة ضوئياً من مركز الوثائق التاريخية بدمشق / الأستاذ الباحث هاني سكرية

وقد أفادنا السيد الباحث المتخصص في الأرشيف العثماني الأستاذ هاني عمر سكرية :
أنه ممن تولى وظيفة التدريس وقراءة الحديث الشريف في المدرسة المرشدية الشيخ إبراهيم والشيخ سعيد ولدي مولانا فخر المشايخ الكرام الشيخ محمد بن الشيخ عيسى بن الشيخ محمود الخلوتي ، وذالك بمقابل وقدره كل يوم عثمانيتين ، وقد انتقلت إليهم هذه الوظيفة عن والدهم : الشيخ محمد بعد أن تنازل لهم عنها لمرضه وذلك عام 1153 هجرية الموافق لعام 1740 ميلادي .


صورة منقولة ضوئياً من مركز الوثائق التاريخية بدمشق / الأستاذ الباحث هاني سكرية

و أضاف الأستاذ هاني سكرية : أنه ممن تولى وظيفة الآذان بالمدرسة المرشدية : فخر الصلحاء المعتبرين الشيخ إبراهيم بن المرحوم الشيخ احمد بن المرحوم الشيخ عبد الله الصالحي ، وأخيه الشيخ مصطفى وذالك بمقابل وقدره كل يوم خمسة دراهم عثمانية ، وذلك عام 1141 هجرية الموافق لعام 1728 ميلادي ، ومصدر هذه المعلومات من سجلات المحاكم الشرعية العثمانية المحفوظة بمركز الوثائق التاريخية بدمشق .


و نعود إلى ما أوقفت هذه السيدة الجليلة خديجة خاتون على المدرسة المرشدية الحنفية أوقافًا كثيرة . وقد كُتب على عتبة بابها ما نصه :

بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوقفت الست الجليلة عصمة الدين خديجة خاتون بنت السلطان الملك المعظم شرف الدين عيسى بن السلطان الملك العادل سيف الدين /
أبي بكر بن أيوب وذلك حصة من حمام بستان الكليب خمسة أسهم وثلثي سهم وخُمس سهم وسُبع سهم ومن طاحون الطرف الخمس ودار بجبل الصالحية وحصة بقرية تقي الدين /
سبعة أسهم ونصف سهم و ربع سهم وثلث عشر سهم وحصة بقرية الطزة ثاثا سهم وثلث سبع وحصة بخان عاتكة ثمان اسهم و نصف وحصة /
بجنة عسال من قصر معلولا ثلث أسهم، ومن الجبة سهم ونصف ومن القربانية سبع أسهم وبستان الماردانية بكماله وذلك في شهر ( ؟ ) وفي سنة خمسين و ستمائة رحم الله واقفت هذا المكان .

انتهى
ويتضح من هذا النص كثرة الأوقاف التي أوقفتها السيدة خديجة خاتون سنة 650 هجرية على تلك المدرسة للإنفاق منها على مدرّسيها ، وفقهائها ومبانيها ، ولضمان استمرارها واستمرار تدريس المذهب الحنفي فيها .



توفيت السيدة الجليلة خديجة خاتون رحمها الله تعالى كما ذكر ابن طولون بالقلائد الجوهرية في عام 654 للهجرة الموافق 1256 للميلاد و دفنت في تربتها داخل المدرسة ( و أظن أنها مدفونة تحت القبة ولكني لم أستطع مشاهدة القبر ) .
وذكر شيخنا الجليل المرحوم عبد القادر بن بدران في منادمته لأطلالها و مسامرة خياله تجاهها حين زارها و زار ربوعها فقال :
هي الآن موجودة في حكم مفقودة في صورة موجودة ينشد لسان حالها فيقول :
درسوا العلوم ليملكوا بجدالهم *** فيها صدور مراتب ومجالس
وتفقهوا حتى ينالوا فرصة *** من أخذ مال مساجد ومدارس



ولقد وقفت عليها أمام باب المدرسة ، فرأيت بابها باباً عظيماً ، والجدار الشمالي منها عجيب البناء جدا ، إلا أن داخلها خراب ، وقد اختلسها قوم فاتخذوها للسكنى ، وإذا وفق الله لها من يلم شعثها أصبحت مدرسة بديعة زاهرة .. .


وهي الآن مسجد صغير الى جانبه قبر الضريح المزخرفة حيطانها بزخارف جصية بديعة .



الزخارف الجصة التي زينت جدران غرفة قبة الضريح



و للمدرسة جبهة حجرية عريضة يتخللها أربعة نوافذ منخفضة الارتفاع ، وكانت هذه النوافذ هي غرف الدرس .. أيام ما كان بها درس .... و تدريس .... و دراسة



الواجهات الخارجية :
تعتبر الواجهة الشمالية المطلة على الشارع : هي الواجهة الرئيسية للمدرسة ، و تخترقها النوافذ و أيوان المدخل و حجارتها ضخمة منحوتة بشكل جيد .



نلاحظ تنوع الحجارة .. منها الضخمة ، و منها لعادية .. مما يعطي انطباعاً أنها تعرضت لأعمال تجديد في مراحل سابقة . والأجزاء العلوية صغيرة الحجم ومشيدة بحجارة غشيمة ، لكنها نظيفة جداً .



بوابة المدرسة و قاعدة بناء المئذنة القائمة في منتصف مجمع غرف المدرسة ، وقد اختلست جميع هذه الغرف و لم يبق فيها أثر العلم و المعرفة .. بعد أن سيطر على العقول الجهل و الجهالة .

ولاح ببالي كلام المرحوم والدي محمد شحادة الأرمشي ( رحمه الله و طيب ثراه ) حين حدثني عن مدارس الصالحية .. وما أل مآلها و أحوالها .. وعن اختلاس مبانيها .. واختلاس أوقافها عياناً ... دون شفقة أو رحمة ... وفي عيني دمعة : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .... كيف أصبحت مدارسنا ذات القيمة العلمية .. و كيف أضحت دور العلم على هذه الشاكلة ؟؟ !! ... ( مختلسة ) ونحن أمة أقرأ ، و أُمرنا بالعلم و التعلم ؟؟
والله .. .. لا ادري ماذا أقول ؟؟؟ !!! ... وأتفطر حزناًً و ألماً لما آلت إليه حالنا .. بعد أن كنا في مقدمة الأمم ... بالعلم ... وبالإيمان.. .. وبالمعرفة ، فأصبحنا أمة تأكل مما لا تزرع ... و تلبس مما لا تصنع.


بوابة المدرسة المرشدية ذات القوس المدبب و بداخله الساكف الحجري لوقفية المدرسة

ما بقي من أجزاء المدرسة ... بوابتها الحجرية ، و لو استطاعوا أن يختلسوها .. لفعلوا ..
فهي بوابة كبيرة نوعا ما على شكل قوس كبير مدبب الرأس ، و تشبه بوابات المدارس الأيوبية التي أنشأت في تلك الفترة كمدرسة دار الحديث الأشرفية المقدسية البرانية المتاخمة لها ، بدون مقرنصات أو زخارف على طرفيها .
وبوابتها غائرة الى الداخل حوالي نصف متر ليأتي الباب و ساكفة الباب فوق المدخل مباشرة و مكتوب عليها أوقاف المدرسة كما أسلفنا سابقاً .



ينزل الى فسحة المدرسة بعدة درجات و لكني لم أستطع مشاهدة أي غرفة .. لكونها تحولت الى عدة بيوت للسكن ، وقد غيروا في شكلها الداخلي ... ببناء جداران حديثة فاصلة بين بعضها البعض ، ولم أحاول قرع الأبواب خوفاً من أن أتعرض مرة أخرى إلى ما لا يرضيني من تجهم أصحاب البيوت الذين اختلسوها .





قبة المدرسة المرشدية أو ( مدرسة الخاتون ) من القباب الأيوبية الصرفة .. ولكنها ملساء البناء وليس محززة ، بل مدببة ، تم تجديدها على أغلب الظن في ثمانينات القرن العشرين لأن الصور التي عرضت في أول البحث تظهر تهدم قرص القبة كلياُ .
ترتكز على رقبة مضلعة من طبقتين ، و تتكون الرقبة السفلية من ثمانية أضلاع ، تزينها أربع نوافذ مقوسة توأم ضمن قوس ، و أربع أخريات هن نوافذ صماء مقوسة .
بينما الرقبة العلوية فتتألف من ستة عشر ضلعاً تزينها بالتناوب ثماني نوافذ مقوسة ، و أربعة محاريب بطاسات ملساء ، و أربعة محاريب بصدفات متعددة الحزوز ، وقد تآكلت مع مرور الزمن ولكن ما يشوه منظرها هو الصبغ الأحمر الغير موفق مطلقاً في عمليات طلاء معظم قباب أوابد مدينة دمشق .



رقبتي القبة و زخارفها
ترتكز قبة المدرسة المرشدية على رقبة مضلعة من طبقتين ، و تتكون الرقبة السفلية من ثمانية أضلاع ، تزينها أربع نوافذ مقوسة توأم ضمن قوس ، و أربع أخريات هن نوافذ صماء مقوسة . بينما الرقبة العلوية فتتألف من ستة عشر ضلعاً تزينها بالتناوب ثماني نوافذ مقوسة ، و أربعة محاريب بطاسات ملساء .


الصدفة المحززة و المحفورة بشكل أنيق في جذع الرقبة

صدفة القبة متعددة الحزوز ، وقد تآكلت مع مرور الزمن ولكن ما يشوه منظرها هو الصبغ الأحمر الغير موفق مطلقاً في عمليات طلاء معظم قباب أوابد مدينة دمشق .


قاعدة المئذنة الحجرية منتصبة بجوار القبة

الى جانب القبة و متاخمة ملاصقة لها ، ترتفع المئذنة الحجرية الجميلة ذات الحجارة الضخمة بكل رشاقة ، وقد كتب عنها الكثيرون بأنها المئذنة الوحيدة الباقية من نوعها من القرن السابع الهجري .
فمعظم المآذن كانت تبنى من الآجر و الطوب و تغطى بطبقة من الكلس الأبيض كما هي جارتها مئذنة المدرسة الأتابكية و مئذنة المدرسة الماردانية و مئذنة جامع باب مصلى و كذلك جامع الحنابلة .


جذع المئذنة الحجرية يتخللها كوة لإنارة درج المئذنة

وأستطيع الجزم بأن هذه الكتلة المعمارية من البناء .. هو البناء الأصلي و الفريد الباقي على حاله كمئذنة متكاملة منذ العهد الأيوبي و لغاية اليوم دون ترميم أو تجديد ، و ينقصها فقط شرفة المؤذن و المظلة التي كانت موجودة و تشبه الى حد كبير مئذنة جارتها ( المدرسة الأتابكية ) .



الصورة بعدسة البروفسور مايكل غرينهلغ / الجامعة الوطنية الأسترالية

الكتلة المعمارية الكاملة لمئذنة المدرسة المرشدية الحجرية



أهم ما يميز هذه المدرسة : منارتها الفريدة و المتفردة في حجارة بنائها ، و هي المنارة هي الوحيدة الباقية من نوعها من القرن السابع الهجري .

فيما ذكر المسيو : جان سوفاجيه ( Jean Sauvaget ) في كتابه الآثار التاريخية الذي علق عليه الدكتور أكرم حسن العلبي : أن المدرسة و المئذنة يعود تاريخها الى سنة 650 للهجرة أي ما يوافقه 1252 للميلاد . كما هو ثابت في المراجع التاريخية .



كما يعتبر الشيخ محمد أحمد دهمان رحمه الله في كتابه / رحاب دمشق : أن هذه المئذنة هي أقدم مئذنة بقيت محافظة على شكلها الأصلي منذ العصر الأيوبي ولغاية اليوم .. نسبة الى كتلتها المعمارية الحجرية ، وتماسك حجارة بنائها القويمة والكبيرة ، ومرجعا لمخطط الأماكن الأثرية المعروفة التي وضعها الشيخ المذكور بين سنة 553 ـ 1153 هجرية لمدينة الصالحية نجدها تحت رقم ـ 73 ـ في حي المدارس بالسهم الأعلى .


ابن طولون المؤرخ الدمشقي الصالحي أورد في كتابه القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية فقال : مئذنة المدرسة المرشدية وهي حجارة بطبقة واحدة ، جددت درابزينها في حدود سنة 910 هجرية .

سأدرج هنا رسمة زيتية رسمها فنان أوروبي زار دمشق في منتصف القرن التاسع عشر ، وتبدو المئذنة وبها حوض الشرفة فقط ، وهذا هو من خصائص عمارة المآذن في العهد الأيوبي ( على الرغم من أن الصورة مرسومة يدوياً لا يؤخذ بها كمصدر موثوق ، إلا أن رسامي تلك الفترة كانوا من الأمانة التاريخية و الأثرية للمناظر العامة محط ثقة .. ما يجعلنا نأخذ رسوماتهم بعين الاعتبار بشكل نسبي )


Damascus from Salahiyeh Sunset over the city

مشهد بانورامي لغروب الشمس كما هو مكتوب في أسفل الرسم لفنان أوروبي زار دمشق في منتصف القرن التاسع عشر لحي الصالحية و سفح قاسيون وتظهر بالوسط مئذنة المدرسة المرشدية ، ثم في اليسار مئذنة المدرسة الأتابكية وبالعمق الغوطة تطوق دمشق من جميع الاتجاهات .



Damas, vue prise de Salhieh
صورة حقيقية و ليست رسم في نهايات القرن التاسع عشر ، و تبدو المئذنة خالية من الشرفة و المظلة ، و كأنها برج حجري متعدد الطبقات الذي لا يعني شيئا ، بالنسبة إلى اسلوب عمائر المآذن في تلك الفترة . والغريب أن مئذنة هذه المدرسة بقيت خالية من الشرفة و المظلة حتى تاريخ كتابة هذا البحث.. ولا ندري لماذا لم يتم ترميمها و إعادتها الى وضعها السابق . ؟؟
صورة رائعة جداً وملونة و دقيقة لدمشق من سفح قاسيون للمصور الفرنسي فيليكس بونفليس عام 1890 . في مقدمة الصورة قطعان من الخراف تسرح في سفوح جبل قاسيون الغربية بحثاً عن الكلأ ، ومن خلفها دور و بيوت قديمة تشكل قسماً من حي الصالحية القديم ، ويظهر بشكل واضح حي المدارس نسبة لما كان فيه من المدارس القديمة المتعددة ، و في أقصى اليمين تظهر بوضوح تربة أمة اللطيف و الى اليسار التربة الكجكرية ، ثم قبة النبي يونس ، تبدو قبة تربة الشيخ على الفرنتي ثم مئذنة المدرسة المرشدية وقد تداعت القبة و سقط قسمها العلوي وبقيت المحاريب الحاملة للقبة بالإضافة للمئذنة التي سقطت شرفتها ومظلتها المربعتين ، وبقيت الى يومنا هذا بدون شرفة و مظلة ، وفي العمق القريب يمكن مشاهدة قصر عثمان نوري باشا ذو الهرم القرميدي ثم بعده تبرز مئذنة جامع الماردانية بنفس الجهة عند الجسر الأبيض ثم بعدها قبة حمام عبد الباسط ، ثم مبنى المستشفى الطلياني بسطحه القرميدي و بجواره مبنى زيوار باشا ( مدرسة جول جمال المندرسة ) ، ويتخفي طريق الصالحية ضمن الأشجار الكثيفة الممتدة حتى مشارف دمشق القديمة / عماد الأرمشي .
أقول هنا و أنا أقف في حي المدارس .. و أمامي هذه العمائر التي كانت دور علم تشع بها عقول طلابها .. و كيف اختفت هذه المظاهر ، ولم يعد لها وجود مع تقدم درجات الزمن .



و تظهر في الصورة الأبنية العربية القديمة المتاخمة لقبة الزاوية و التربة الفرنتية ( غير ظاهرة بالصورة بشكل واضح ، ثم قبة المدرسة المرشدية و المئذنة الحجرية الرشيقة ، ثم يليها في البناء المدرسة الأشرفية المقدسية البرانية ، ثم تبدو مئذنة المدرسة الأتابكية ، ثم الطريق الواصل إلى سوق الجمعة و جامع الشيخ محي الدين .



وقد ذكر الباحثان كارل ولتسينجر و كارل واتسينجر في كتابهما الآثار الإسلامية في مدينه دمشق صفحة ـ 250 ـ ضمن البعثة الألمانية العثمانية التي أجرت مسحاً ميدانياً شاملاً للأبنية الأثرية والإسلامية بدمشق فقالا :
هي مدرسة وتربة بقية لخديجة بنت الملك سيف الدين أبو بكر تؤرخها الكتابة المنقوشة فوق المدخل بسنة 666 ( و علق الدكتور عبد القادر الريحاوي أن هذا التاريخ ـ 666 ـ غير صحيح لأن المدرسة و التربة هي أيوبية .. وأنشئت كما تذكر المصادر سنة 652 للهجرة أي في أواخر العهد الأيوبي ، بينما عام 666 يقع في العهد المملوكي ) .



و تابع الباحثان ، أنه الى الشرق من هذا البناء تنتصب مئذنة ملساء مشيدة من حجارة و مداميك متقنة و منفذة بتقنية عالية ، بيد أنه لم يبق من شرفة المؤذن الخشبية إلا جزء بسيط منها ، و تتألف المئذنة من جذع سفلي مربع الشكل و يعلوه جذع مثمن و آخر مستدير ثم وصلة ثالثة من المدليات ، و أخيرا تأتي القلنسوة في عهدها الأيوبي ، ومن الجائز أن يعود الجزء السفلي لهذه المئذنة الى القرن السابع للهجرة .
بعد عودتي الى البيت من زيارتي الميدانية لحي المدارس وقفت أتأمل الصور التي التقطها للمدرسة ( عن كيفية رفع هذه الحجارة الضخمة الى أعلى المئذنة ـ بدون رافعات برجية ) و رصفها و نحتها بشكل متجانس جميل وعن كيفية تشكيلها لتأتي بالمرتبة الأولى من المآذن الأيوبية ذات الحجارة الضخمة الماثلة عياناً الى اليوم ، كشاهد على الحضارة الإسلامية .
فهي مئذنة ضخمة بحق .. حجرية خالية طبعاً من المقرنصات وبقية العناصر التزيينية مبنية على ثلاثة طبقات مربعة وبسيطة و متقشفة في عمارتها ضخمة في شكلها يتخللها نوافذ مربعة لإنارة بيت درج المئذنة ، ومتوجة بقمة حجرية منحوت فيها محاريب صغيرة صماء وصولاً لقمة المئذنة على شكل خوذة .



في النهاية أقول : لقد أوقفت الأميرة الجليلة الفاضلة خديجة بنت الملك المعظم مدرستها المدرسة المرشدية لعموم المسلمين .. و قد استخدمت المدرسة لأغراض تربوية إسلامية و تعليم أصول الدين ، وقد ذكرها المؤرخون بأنها سيدة الأميرات الأيوبيات توفيت رحمها الله في بستان الماردانية ودفنت بتربتها في المدرسة المرشدية التي أنشأتها الى جوار تربة الشيخ علي الفرنتي بسفح جبل قاسيون . رحمها الله وتقبل منها‏ . فترحموا عليهما رحمها الله تعالى .



ومن هذا المنبر : أدعو الدوائر المختصة و المعنية في دمشق .. بوقف اختلاس أثار و مدارس وأوقاف آثار البلد ... عياناً .. جهاراً ... في وضح النهار .... هذه الآثار تعود أوقافها إلى وزارة الأوقاف .. أو لمديرة الآثار و المتاحف ووزارة السياحة ، و إن لم يكن كذلك فهي ملك للحق العام .. لعامة الناس .
ولابد من استرجاعها من المختلسين ........ الذين تعدوا عليها عبر السنين الماضية فأوقفوا مهمتها و عطلوا أوقافها . فلنرفع الصوت عالياً في وجه من يحاول اختلاس البلد و اختلاس مرافقه .



إعداد عماد الأرمشي
باحث تاريخي بالدراسات العربية والإسلامية لمدينة دمشق


المراجع :
ـ في رحاب دمشق / العلامة الشيخ محمد أحمد دهمان
ـ منادمة الأطلال و مسامرة الخيال / الشيخ عبد القادر بن بدران
ـ القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية / أحمد بن طولون الصالحي
ـ الدارس في تاريخ المدارس / الشيخ عبد القادر بن محمد النعيمي الدمشقي
ـ الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام و الجزيرة / الشيخ يوسف ابن شداد
ـ مشيدات دمشق ذوات الأضرحة و عناصرها الجمالية / د. قتيبة الشهابي 1995
ـ معجم الألفاظ التاريخية في العصر المملوكي / العلامة الشيخ محمد أحمد دهمان
ـ الآثار التاريخية في دمشق / جان سوفاجيه عربه وعلق عليه د. أكرم حسن العلبي
ـ موقع البروفسور مايكل غرينهلغ / الجامعة الوطنية الاسترالية
Demetrius at the Australian National University Art Serve
Professor Michael Greenhalgh
البروفسور كيبل كريسوال ، متحف أشموليان ـ جامعة هارفارد / 1908
Ashmolean Museum of Art, Harvard. Professor K.A.C.Creswell
ـ الآثار الإسلامية في مدينه دمشق / تأليف كارل ولتسينجر و كارل واتسينجر، تعريب عن الألمانية قاسم طوير، تعليق الدكتور عبد القادر الريحاوي
- Damaskus: die islamische Stadt / Carl Watzinger & Karl Wulzinger

رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
المدرسة, المرشدية

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:36 AM


madani® Copyright ©2000 - 2019, naim-almadani

حق العلم والمعرفة للجميع * والتاريخ هو تاريخ أمة * لذلك متنازلون عن جميع الحقوق بنقل او اقتباس شريطة الاشارة الى المنتدى * جميع المشاركات المكتوبة تعبّرعن وجهة نظر كاتبها ولا تعبّر عن وجهة نظر إدارة المنتدى

a.d - i.s.s.w