#1  
قديم 07-11-2019, 08:15 PM
الصورة الرمزية naim
naim غير متواجد حالياً
مدير عام
 
تاريخ التسجيل: Apr 2019
المشاركات: 262
افتراضي جامع السنجقدار -المساجد المملوكية في دمشق


المساجد المملوكية في دمشق / جامع السنجقدار
للباحث عماد الأرمشي





هو من المساجد المملوكية التي بُنيت خارج أسوار مدينة دمشق القديمة ، ويقع الجامع في محلة السنجقدار الشهيرة المتاخمة لساحة المرجة وقلعة دمشق ومقابلاً لأسوار القلعة الغربية الشمالية و متاخماً لبابها الغربي "أو باب السر" ولا يفصله عن مدخل أسوقها سوى أمتار قليلة ، وكان السلاطين والأمراء يدخلون من هذا الباب ويخرجون سرا دون أن يراهم أحد من الرعية .


بعدسة الأستاذ / علاء بدوي

وكلمة السنجقدار تعني " حامل السنجق السلطاني" ، وهو اسم مركب من لفظين ‏:‏
أحدهما تركي : وهو " سنجق " ومعناه الرمح وهو في لغتهم مصدر طعن .. فعبر به عن الرمح الذي يُطعن به‏ . والثاني : دار .. ومعناه ممسك ، ويكون المعنى " ممسك السنجق " وهو الرمح ، والمراد هنا " العلم " أي الراية كما تقدم والتي توضع في أعلى الرمح .


بعدسة الأستاذ / علاء بدوي
شُـيد الجامع زمن نائب السلطنة المملوكية بالشام الأمير سيف الدين أرغون شاه الناصري عام 749 للهجرة الموافق 1348 للميلاد ، ولم يكتمل بنائه نظراً لقتله ذبحاً ليلة الخميس الثالث والعشرين من ربيع الأول سنة خمسين وسبعمائة 750 للهجرة الموافق 1348 للميلاد كما سيرد لاحقاً ودفن فيه سنة 751هجرية الموافق 1349 للميلاد .
وقد جُدد حرم المسجد في العهد العثماني عام 1008 للهجرة الموافق 1599 للميلاد أيام سنان آغا الينكنجرية أي ( جاويش الأنكشارية ) كما هو مكتوب على اللوحة الرخامية المعلقة على جدار الجامع .


بعدسة الأستاذ / علاء بدوي
للجامع جبهة حجرية جميلة عالية من الحجر الأسود و الأبيض المتناوب ( الأبلق ) ، فيها باب مقرنص لطيف ، وعلى الجدار الشمالي المطل على جادة السنجقدار نص من الأشعار كتبت عليه أبيات شعر بالخط الفارسي ما نصه :

أرخ بـنـاه و شــيده *** دار ..... بأن الله أكبر
فجئت مؤرخاً أحمد حمداً *** فوالينا لبيت الله أشهر
في آخرها : هو سنة 1236 هجرية
وهي على ما يبدو تمجيداً للصدر الأعظم درويش باشا ، هذا و الله أعلم .


بعدسة الأستاذ / يامن عارف صندوق

الى يمين الداخل عبر الباب المجدد ( فقد كان الباب بالماضي ) على شكل قوس كبير ، و به المقرنصات الجميلة و فوقه مباشر مئذنة الجامع القديمه المطلة على الطريق وصحن الجامع ، وعند الصحن توجد قبة عالية جداً ، فيها محراب حديث ، وأربعة أضرحة .


بعدسة الأستاذ / يامن عارف صندوق
غرفة أضرحة الصحابة .


بعدسة الأستاذ / يامن عارف صندوق

أضرحة الصحابة في جامع السنجقدار

وقد شرح لنا الدكتور اسعد طلس رحمه الله عند إحصائه مساجد دمشق عام 1942 للميلاد أن سبب تسميته بجامع السنجقدار ... نظراً لوجود ضريح العباس بن مرداس حامل لواء ( سنجق ) الرسول صلى الله عليه وسلم كما ورد في تاريخ التهذيب لابن عساكر وثلاثة أضرحة أخرى .
كتب على الأول القبلي انه قبر (العباس بن مرداس ) و عليه لوحة تعريفية به ما نصها :
سيدنا العباس بن مرداس بن أبي عامر السلمي رضي الله عنه أبو الهيثم . أمه الخنساء الشاعرة . كان سيد قومه . أسلم قبل فتح مكة بقليل قدم في ثلاثمائة راكب من قومه فأسلموا واسلم قومه وهو من المؤلفة قلوبهم وممن حسن إسلامه منهم شارك في حنين ونال مئة من الإبل وكان رجل شجاع مشهور قال مخاطباً سيدنا رسول الله( صلى الله عليه وسلم )
يا خاتم الأنبياء إنك مرسل بالحق كل هدى السبيل هداكا
إن الإله بنى عليك محبة في خلقه و محمداً أسماكا
قال فيه عبد الملك بن مروان
أشجع الناس في شعره عباس بن مرداس حيث قال :أقاتل في الكتيبة لا ابالي أفيها كان حتفى أم سواها كان رضي الله عنه ممن حرّم على نفسه الخمر في الجاهلية . وحين قيل له : ألا تأخذ من الشراب فإنه يزيد في قوتك و جرأتك؟ قال : لا أصبح سيد قومي و أمسي سفيهها . لا والله لا يدخل جوفي شي يحول بيني و بين عقلي أبداً
مات في خلافة سيدنا عمر بن الخطاب نحو سنة 18 هـ / 639 م .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أسد الغابة : لإبن الأثير 3/113
الإستعاب : للقرطبي المالكي 2/101
الأعلام : لخير الدين الزركلي 2/267

وقد ذكر الدكتور الشهابي في كتابه مشيدات دمشق ذوات الأضرحة أن العباس بن مرداس قد جاء إلى دمشق و بنا داراً فيها و قد توفي بدمشق ولم يذكر أحد أين دفن كما ورد في الأعلام لخير الدين الزركلي 4/39 .

ويوجد قبر ثان بجانب قبر (العباس بن مرداس ) هو الأوسط لـ ( خُفاف بن ندبة ) وقد كتب عليه :
سيدنا خفاف بن ندبه رضي الله عنه
أبو خراشة . أبوه عمير بن الحارث السلمي من مضر وإبن عم الخنساء الشاعرة . وندبه : هي أمه أخذ منها سواد اللون فهو أحد أغربة العرب أدرك الجاهلية و الإسلام فأسلم و شهد فتح مكة وكان معه لواء بني سليم كما شهد حنيناً و الطائف وثبت على إسلامه في الردة... مدح سيدنا أبا بكر الصديق و بقي إلى خلافة أمير المؤمنين سيدنا عمر رضي الله عنه وله أخبار مع سيدنا العباس بن مرداس .. قال الأصمعي : خفاف و دريد بن الصمة أشعر الفرسان ........ روى حديثاً واحداً عن سيدنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه أوصاه : ياخفاف إتبع الرفيق قبل الطريق فإن عرض لك أمر نصرك وإن إحتجت إليه رفدك. توفي رضي الله عنه نحو 20 هـ 640 م
وقد ذكر الشهابي أيضاً في كتابه مشيدات دمشق ذوات الأضرحة أن خفاف بن عمير بن الحارث بن الشريد السلمي المعروف بابن ندبة كانت له أخبار مع العباس بن مرداس و توفي سنة 20 هجرية ولم يذكر أحد أين دفن كما ورد في الأعلام لخير الدين الزركلي 2/365 .


ويوجد قبر ثالث في الجهة الشمالية بجانب القبرين لـ ( روق بن دثار ) وقد كتب عليه :
ضريح الصحابي الجليل
روق بن دثار
رضي الله عنه


ويوجد ضريح رابع كُتب عليه انه ضريح ( إحدى النساء الصالحات ) و بعضهم قال هو قبر ( الخنساء ) وقد كتب عليه :

ضريح
إحدى النساء الصالحات كما ذكره صاحب كتاب ثمار المقاصد في ذكر المساجد يوسف بن عبد الهادي وزاد فيه محمد أسعد طلس


بعدسة الأستاذ / يامن عارف صندوق
أقول في الجملة إن غرفة الأضرحة في جامع السنجقدار من أقدم الترب المتواجدة في أرض الشام ، مما أعطى الجامع أهمية كبيرة و جعله في مصاف أهم آثار المساجد المملوكية في دمشق .


فالتربة مسقوفة بقة ضخمة و متواجدة على يمين الداخل إلى حرم المسجد وقد زينت من الداخل بزخارف جميلة مرسومة في أعلى القبة ، وفي الوسط يوجد كتابة لسورة ( الصمد ) و مكتوبة بخط الثلث الجميل و بشكل دائري وأخذت شكل الشمس إلا أنها تحتاج إلى ترميم و إعادة طلاء لتعود إلى بهائها الأول .


وتهيمن القبة الضخمة ( ذات القطر الواسع ) و المحمولة على عنق ضخم مؤلف من عدة نوافذ عادية تستخدم للإنارة ، ويحمل القبة أربعة أقواس أبلقية محمولة على أركان الجدران و مرتكزة على جدار التربة الكلي . و فيها زخارف جميلة ، وفي وسط الجدار الجنوبي القبلي تخطيط ( لفظ الجلاله ـ الله ) و بجانبها اسم سيدنا ( محمد ) صلى الله عليه و سلم .


وفي وسط الجدار الشرقي تخطيط لأسماء الصحابة رضوان الله عليهم ( سيدنا أبو بكر و سيدنا عمر ) رضي الله عنهما .


وفي وسط الجدار الشمالي تخطيط لأسماء الصحابة رضوان الله عليهم ( سيدنا عثمان ، سيدنا علي ) رضي الله عنهما .
وكذلك وسط الجدار الغربي تخطيط لأسماء آل البيت الطاهرين ( سيدنا الحسن ، و سيدنا الحسين ) رضوان الله عليهم أجمعين .


أقول هنا ضمن بحثي التاريخي عن جامع السنجقدار : أنه من أجمل مساجد دمشق .. وسمي بالسنجقدار نظراً لوجود ضريح العباس بن مرداس حامل لواء ( سنجق ) الرسول صلى الله عليه وسلم ومازال الجامع اليوم 2010 للميلاد محتفظاً بواجهته المملوكية المبنية بالحجارة الأبلقية ( السوداء و البيضاء ) رغم ترميمها في فترات مختلفة .


وما تزال واجهة الجامع الشرقية محافظة على أصالتها و جمالها و المتمثلة ببوابة الجامع المتقنة البناء ، فهي مرتفعة و معقودة بالمقرنصات الغنية ، و بها نوازل حجرية جميلة معجنة والمحفورة بعناية فائقة ، وما زال الباب يحمل الملامح التزينية المملوكية القديمة لكونه متوج بالمقرنصات المحرابيه الشكل كما هو الحال في معظم المباني و المساجد المملوكية التي أنشأت في العصر المملوكي .


فوق هذه المقرنصات توجد طاسة محراب الباب فهي مظلية عريضة الخطوط ، و بها في أسفل تلك المقرنصات توجد حشوة مربعة جميلة مضفورة الزخارف وفي مركزها قمرية واسعة .


ويبدو لي من الصور القديمة الملتقطة للجامع أن هذه الحشوة المربعة لم تكن موجودة في البوابة .. بل هي حديثة و ليست قطعاً من أصل البناء .. بل أضيفت لاحقاً ، و تحت الحشوة يوجد مدماك كامل على عرض الباب من المدكك المتناوب يلف مدخل باب الجامع من اليمين إلى اليسار وبشكل أنيق .


تضررت المئذنة القديمة كما ذكر دهمان ، والتي كانت مبنية فوق الباب مباشرة أثر زلزال دمشق الشهير سنة 1173 للهجرة الموافق 1759 أيام سلطنة السلطان العثماني عبد الحميد الأول فرممت ، كما جُدد الجامع مرة أخرى سنة 1236 للهجرة الموافق 1847 للميلاد أيام ولاية الصدر الأسبق درويش باشا الثاني .


وذكر والدي المربي الكبير الأستاذ محمد شحادة الأرمشي " طيب الله ثراه " المفتش الأول بوزارة التربية و التعليم السورية أن المئذنة القديمة التي نجت و الجامع من حريق السنجقدار الهائل .. مختلفة تماما عن المئذنة الحالية من حيث شكل الجذع والارتفاع ، فكان جذعها قليل الارتفاع مربع الشكل على غِرار المآذن الأيوبية بدون زخرفة ، وبها شرفة خشبية وحيدة مثمنة الشكل محاطة بدرابزين خشبي تعلوها مظلة خشبية أخذت شكل الشرفة ، وينبثق منها جوسق مسدس ، يحمل في رأسه ذروة بصلية صغيرة .
صورة لجادة السنجقدار ملتقطة من الغرب الى الشرق بعد حريق السنجقدار الشهير عام 1928 ، ويبدو مدخل سوق السروجية في نهاية الجادة و الى جانيه قبة حمام الراس ، و بداية سوق الزرابلية المندرس ، أما في جهة اليسار فالأرض المتبقية بعد الحريق و جادة الناصري الذي التهمته النيران و المباني المجاورة ، والى اليمين جامع السنجقدار و مئذنته القديمة قبل تجديد عمارتها ، ومن الملاحظ انتهاز العربات و السيارات فرصة خلو المكان من الأبنية لتحويله الى مواقف لها . حقبة الصورة تعود لمطلع ثلاثينات القرن العشرين .


ويُضيف والدي رحمه الله : أنه كان شاهد عيان على حريق محلة السنجقدار عام 1928 للميلاد ، وشاهد الحريق بعينه وكان عمره آنذاك عشر سنوات ، كان حريقاً مهولاً استمر لمدة ثلاثة أيام حتى يوم الخميس 21 حزيران 1928 ، التهم الحريق الأخضر واليابس بتأثير نار خرجت من دار سينما النصر الكائنة عند زاوية جادة الناصري مما أدى لامتداد اللهب الى المحال و البيوت العربية المتواجدة بالمنطقة كلها من خشب شجر الجوز و الصفصاف ، وطال الحريق أيضا جزءاً من سينما زهرة دمشق في مدخل السنجقدار عند ساحة المرجة ، فاحترقت جميع الجهة الواقعة قبلي جامع يلبغا بعد النهر . كما هو واضح بالصورة الفريدة للحريق .


المئذنة تم تجديدها بالكامل في منتصف أربعينات القرن العشرين و نستطيع ملاحظة ذلك من خلال حجارتها الجديدة بالمقارنة مع أحجار الواجهة الشرقية المتاخمة للمئذنة . فقد نقضت المئذنة القديمة بالكامل وأعيد بنائها من جديد فوق حرم بيت الصلاة ... وليس فوق البوابة كما كانت عليه بالماضي .
ولكن للأسف جاء البناء وإن كان جميلا و أنيقاً و رشيقاً ... فقد جاء على شكل مغاير لما كانت عليه ... مما أدى إلى تغيير معالمها وجذورها التاريخية المملوكية .
فالمئذنة رشيقة ومشيدة على الطراز الشامي بتأثير مملوكي الغني بالزخارف ، و جذعها مثمن الأضلاع تقطعه خطوط سوداء تزيينية ، وفي أسفل الجذع نوافذ في كل ضلع صماء ذات أقواس ثلاثية الفصوص وتأخذ شرفتها شكل الجذع المثمن وتتدلى من الشرفة المقرنصات ، كما يحيط بها درابزين حجري مع زخارف تجميلية جميلة ، وترتفع فوقها مظلة حجرية بارزة قليلا على شكل الشرفة ، ويعلو المئذنة جوسق دائري مثمن الأضلاع تقطعه أشرطة سوداء تزيينية يحمل ذروة بصلية على طراز ذرى المآذن المملوكية في القاهرة .


ترتفع فوق الأضرحة التي مر ذكرها آنفاً قبة ملساء مدببة تستند على رقبة مرتفعة نسبياً ، ومثمنة الأضلاع تتناوب فيها أربع نوافذ قوسية و أربعة أضلاع صماء ملساء ، بقيت على حالها منذ مئات السنين
وتأتي أهمية هذا الجامع لكونه كان مركزاً لانطلاق محمل الحج الشامي إلى الديار المقدسة حيث أن قافلة الحج تنطلق أولاً من مسجد أبي الدرداء في قلعة دمشق .. يتقدمها السنجق الشريف ، ويؤتى به من سوق البوابجية إلى جامع السنجقدار حيث يصلي وجهاء القوم صلاة العصر جماعة بإمامة أمير الحج تأسياً بنائب السلطنة الأمير سيف الدين أرغون شاه الناصري حتى انقضاء صلاة المغرب .


فيأخذون من الجامع راية الحج الشامي والصرة السلطانية التي تم تجهيزها من الزيوت والشموع والمياه العطرية كماء الورد وماء الزهر المزاوي الموضوعة داخل محمل الحج والتي ترسل إلى الحرمين الشريفين لغسل الكعبة المشرفة والحجرة النبوية بهما .


ثم يُسار بالسنجق والمحمل إلى السراي العسكرية " المشيرية " مكان القصر العدلي حاليا بشارع النصر ويتم وضعهما في قاعتها الكبيرة وتتلى قصة المولد النبوي ويظل اللواء والمحمل ليلة واحدة تحت حراسة الجند ، ثم تطلق المدافع قذائفها عند خروجهما من " المشيرية " ابتهاجاً بهذه المناسبة ، والمحمل الشريف هو في الأصل الهودج الذي تركبه النساء أيام الأفراح والحروب عند العرب وهو عبارة عن محفة كبيرة مجللة بالديباج ومنقوش عليها بعض الآيات القرآنية وأمامه راية الحج السنجق وهو لواء أمير الحج الشامي .


أما قصة قتل الأمير سيف الدين أرغون شاه الناصري كما ذكرها الشيخ الذهبي في العبر ما ملخصه :
في ليلة الخميس الثالث والعشرين من ربيع الأول سنة خمسين وسبعمائة 750 للهجرة كان نائب السلطنة بدمشق الأمير سيف الدين أرغون شاه قد انتقل بأهله من القلعة "مركز الحكم" إلى القصر الأبلق بالميدان الأتابكي الأخضر " مكان التكية السليمانية حاليا " الذي شيده السلطان المملوكي الملك الظاهر بيبرس عام 1277 ‏ ‏ميلادية . وجاءت تسميته لوجود اللونين الأبيض والأسود في حجارة بنائه.
ويذكر مؤرخو دمشق أن القائد المغولي تيمورلنك لا جزاه الله خيراً أبداً مكث في هذا القصر عام 1400 وجرت ‏فيه المفاوضات حول تسليم المدينة بين وفد دمشقي برئاسة مفتي المدينة إبراهيم ‏ ‏الحنبلي وبين تيمورلنك لا جزاه الله خيراً أبداً .. الذي دخل المدينة سلما دون قتال لكنه احرق الأبلق عند ‏ ‏انسحابه عام 1401.‏


فما شعر الأمير سيف الدين أرغون شاه الناصري بوسط الليل إلا ونائب طرابلس الأمير سيف الدين ألجيبغا المظفري الناصري ركب إليه في طائفة من الأمراء الألوف وغيرهم فأحاطوا به ودخل عليه من دخل وهو مع جواريه نائم ، فخرج إليهم فقبضوا عليه وقيدوه ورسموا عليه ، وأصبح الناس أكثرهم لا يشعر بشيء مما وقع ، فتحدث الناس بذلك واجتمع أمراء دمشق مع الأمير سيف الدين ألجيبغا المذكور لاستطلاع الخبر ، فنزل بظاهر البلد ، واحتيط على حواصل أرغون شاه .
فبات الأمير عزيزا وأصبح ذليلا ، وأمسى علينا نائب سلطنة فأصبح وقد أحاط به الفقر والمسكنة ، فسبحان من بيده الأمر :
بسم الله الرحمن الرحيم
قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) آل عمران
ثم لما كان ليلة الجمعة الرابع والعشرين من ربيع الأول أصبح مذبوحا ، فأثبت محضر بأنه ذبح نفسه فالله تعالى أعلم .


وفي يوم الأربعاء سادس ربيع الآخر غضب أهل دمشق لما حدث ، واستنهضوا لنائبهم المقتول ذبحاً وخرجت العساكر الشامية في طلب سيف الدين ألجيبغا الذي فعل الأفاعيل وخرج من دمشق بالسالمي بعدما قتل نائب سلطنتها وجماعة من أهلها العادلي في معركة شرسة ، وهو أحد أمراء الألوف المقدمين ، ولما كانت ليلة الخميس سابعه نودي بالبلد على من يقربها من الأجناد أن لا يتأخر أحد عن الخروج بالغد ، فأصبحوا في سرعة عظيمة ، واستنيب في البلد نيابة عن النائب الراتب الأمير بدر الدين بن الخطير فحكم بدار السعادة على عادة النواب ، و لحقوا بسيف الدين ألجيبغا ، ومسكوه .
وفي ليلة السبت بين العشاءين سادس عشره دخل الجيش الشامي ومعهم نائب طرابلس الأمير سيف الدين ألجيبغا المظفري الناصري أسيراً ذليلاً حقيرا ، وكذلك الفخر إياس الحاجب مأسور معهم ، فأودعا في القلعة مهانين من جسر باب النصر الذي تجاه دار السعادة ، وذلك بحضور الأمير بدر الدين الخطير في دار السعادة وهو نائب الغيبة ، وجرت محاكمتهما ، ولم يستخلص قاضي الشام سبب ذبح " أرغون شاه " سوى الحسد و الغيرة منه ، والنميمة والغيبة ، فأمر بقتلهما (( وبشر القاتل بالقتل ولو بعد حين )) ففرح الناس بذلك فرحا شديدا ، ولله الحمد والمنة .


فلما كان يوم الاثنين الثامن عشر منه خرجا من القلعة إلى سوق الخيل فوسطا بحضرة الجيش ، وعلقت جثتهما على الخشب ليراهما الناس فمكثا أياما ثم أنزلا فدفنا بمقابر المسلمين .
وفي يوم الجمعة السادس والعشرين منه نُقل بدن الأمير سيف الدين أرغون شاه من مقابر الصوفية إلى تربته التي أنشأها تحت الطارمة ، وشرع أرغون في تكميل التربة ، والمسجد الذي قبلها ، وذلك أنه عاجلته المنية على يدي ألجيبغا المظفري قبل إتمامهما ، وحين قتلوه ذبحا دفنوه ليلا في مقابر الصوفية قريبا من قبر الشيخ تقي الدين ابن الصلاح ( في منطقة الحلبوبي اليوم ) ثم حول إلى تربته في الليلة المذكورة ، وفي يوم السبت تاسع عشر رجب أذن المؤذنون للفجر قبل الوقت بقريب من ساعة فصلى الناس في الجامع الأموي على عادتهم في ترتيب الأئمة ثم رأوا الوقت باقيا فأعاد الخطيب الفجر بعد صلاة الأئمة كلهم ، وأقيمت الصلاة ثانيا ، وهذا شيء لم يتفق مثله بعد دفن الأمير أرغون شاه .
قال الذهبي رحمه الله تعالى في كتاب المشتبه: وفي أواخر هذه السنة تكامل بناء التربة التي تحت الطارمة المنسوبة إلى الأمير سيف الدين أرغون شاه الذي كان نائب السلطنة بدمشق ، وكذلك القبلي منها ، وصلى فيها الناس ، وكان قبل ذلك مسجدا صغيرا فعمره وكبره أهل الشام وجاء كأنه جامع تقبل الله منه ، وسمي بجامع السنجقدار .


أخبرنا شيخنا الفاضل الشيخ عبد القادر بن بدران رحمه الله في منادمته بان اسم الجامع هو جامع الحشر تحت القلعة من الجانب الغربي ، وكان يسمى أيضاً جامع الحدر ، وقد أقيم على أنقاض مسجد قديم كان يُعرف باسم جامع الحشر ، ولا أدري من أين جاء شيخنا بن بدران رحمه الله بهذه المعلومة ( جامع الحد ) و التي لا أشك فيها أبداً ..... .
ولكني لم أستطع العثور على هذين الاسمين في المراجع التاريخية ، ولا أشك أبداً .. أبداً .. في معلومات الشيخ عبد القادر بدران فهو من المراجع الثقاة . ولا بد أنها صحيحة . ( ولعل باحثاً آخر يرشدنا إلى هذه المراجع ).
و أردف فقال : بناه أرغون شاه .. و جدده سنان آغه الينكجرية في العصر العثماني عام 1008 هجرية أي ما يوافقه 1599 للميلاد .


ذكر المستشرقان الألمانيان / كارل ولتسينجر و كارل واتسينجر ضمن المسح الميداني الشامل التي قامت به البعثة الألمانية العثمانية للأبنية الأثرية و الإسلامية في مدينه دمشق فقالا : أزيحت واجهة الجامع الشرقية الى الوراء عام 1916 ، و إن الجامع مؤرخ بسنة 1236 للهجرة الموافق عام 1820 للميلاد ، وكان سوقا للنحاسين ينطلق يوما من هذا المكان باتجاه الجنوب .
لم أفهم الجملة الأخيرة الطلسمية التي وردت ؟ ( الجامع مؤرخ بسنة 1236 للهجرة وكان سوقا للنحاسين ينطلق يوما من هذا المكان باتجاه الجنوب ) ولم أدر ما هو المقصود و الهدف من وراء هذا الخبر ؟ و علاقته بالجامع و سنة التأريخ بسنة 1236 للهجرة .. ؟ .. ، هذا أولا ..


ثانيا : لم أتمكن من التحقق لمعرفة هذه الإزاحة ؟ و كيف تمت .. ؟ و لماذا ؟؟ ، ولقد قارنت بعض الصور الوثائقية والتي لا شك أو لبس فيها والتي التقطت لهذه الواجهة قبل عام 1916 و بعده .. فلم أجد أنها أزيحت ؟؟ و فكرت مليا أنه يمكن أن تكون بسبب سكة الترام ، أو تعريض الطرق .. أو ؟..
لم أصل الى تحليل يوافق ما ذكراه بالكتاب . و لعل الصورة المرفقة تظهر أثر إزاحة الواجهة و عدم تطابق الأحجار مع بعضها البعض عند الإزاحة ؟؟ ( و لعل باحثاً آخر أيضا يرشدنا الى الحقيقة ) .


ثالثا : ذكر الدكتور طلس كما ورد آنفا : أن هناك أربعة أضرحة ، كتب على الأول القبلي انه قبر (العباس بن مرداس ) ، وعلى الذي يليه أنه قبر ( خُفاف بن ندبة ) ، وعلى الذي يليه انه قبر ( روق بن دثار ) ، وعلى الأخير انه قبر ( إحدى النساء الصالحات ) و بعضهم قال هو قبر ( الخنساء ) .
والسؤال الذي يطرح نفسه :
أين هو قبر نائب الشام الأمير سيف الدين أرغون شاه الناصري المدفون بالجامع ؟؟؟
نعم هناك أربعة قبور كما ورد ذكرهم سابقاً مع الصور التوثيقية .. و لكن أين قبر نائب الشام نفسه ؟؟ . ( و لعل باحثاً آخر أيضا يرشدنا الى الحقيقة ) .
وفي بداية سبعينات القرن العشرين و تحديدا سنة 1974 تشرف باستلام إمامة المسجد وإلقاء الدروس فيه شيخنا فضيلة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ( رحمه الله ) .


أثناء عمليات التجديد تم إلغاء صحن المسجد و ضمه إلى حرم بيت الصلاة فصار الصحن من ضمن الحرم الكلي للمسجد ، وتم فرشه بالسجاد كي يتسع لأعداد المصلين الوافدين اليه من الأسواق المجاورة عدا أيام الجمع فيصبح الحرم ضيقاً عليهم مما يضطرهم إلى الصلاة خارج بناء المسجد الكلي و على الأرصفة .
وكان صحن الجامع صغير مفروش بالحجارة السوداء و البيضاء والموزاييك ، وفي غربيه سقاية ماء من نهر بانياس كما أخبرنا به الدكتور محمد اسعد طلس رحمه الله في عام 1941 للميلاد .


القبلية ( حرم بيت الصلاة ) قائمة على ثلاث قناطر ضخمة تقوم على أعمدة عالية ومن أمامها ثلاث قناطر أخرى ، من أمامها ثلاث أخرى ، ثم المحراب و المنبر ، وهما حديثان ، و للمسجد منارة تقوم دائرة الأوقاف الإسلامية على إعادة بنائها من جديد . ( هذا الشرح كان في عام 1941 بزمن الدكتور محمد اسعد طلس رحمه الله ) .


ومازالت القبلية على حالها فيه أربعة أعمدة ضخمة الحاملة للسقف الكبير و يتوسط جدار القبلية محراب من الحجر المزي و الأبيض تم تجديده في فترات سابقة و المنبر خشبي مجدد يصعد إليه بدرج ملاصق للجدار الجنوبي ، و قد فرشت أرض المسجد بالسجاد الجيث ( الموكيت ) و تم إنارته بشكل جميل و كثيف مما يعطي للداخل اليه بارتياح كبير أثناء الصلاة


بوسط جدار القبلية محراب الجامع من الحجر المزي و الأبيض و المدكك ، و تم تجديده في فترات سابقة
ويوجد على جانبيه عمودان صليبيان يحملان قوس المحراب ، و مزخرف زخارف جصية جميلة و محيطة بكل جوانب المحراب ، وهو من المحاريب القديمة في عمارة مساجد دمشق ، ولعل هذا المحراب هو الذي ذكر الدكتور اسعد طلس : أنه المحراب القديم للمسجد .


جرى توثيق هذا الجامع بالنص و الصورة و الخارطة عام 2006 ضمن المباني الأثرية في مدينة دمشق تحت اسم جامع السنجقدار برقم ـ 1121 ـ في كتاب مجتمع و عمارة مدينة دمشق العثمانية بالقرن التاسع عشر و أوائل القرن العشرين للباحث شتيفان فيبر من جامعة برلين الحرة بألمانيا بحث لنيل درجة الدكتوراه فقال : جامع السنجقدار أمام فندق دمشق ( هوتل داماس ) وعرضوا صورة صغيرة قديمة للجامع قي ذلك الوقت ؛ انظر التوثيق مع المراجع المستندة إلى التوثيق .


في عام 2011 جرت عملية صيانة شاملة للجامع و كان بحاجة إلى ترميم وإصلاح ، طبعاً نتيجة لمرور السنين الطويلة عليه ، وتأثير العوامل الجوية وتأثيرات المياه الجوفية والأنهار ، فلا بد من عمليات الصيانة و خاصة أن أغلب الأسقف الخشبية في حالة سيئة وتحتاج للتبديل ، علاوة على الجدران المؤلفة من اللبن والتراب المشوهة والمتصدعة .


أعمال صيانة جامع السنجقدار
كما يوجد هبوطات في أرضية المسجد مما أسترعى لعمل صيانة شاملة له .


ومازال الجامع شامخاً في سماء دمشق حتى اليوم وبحالة جيدة جداً و محافظاً على نموذجه الأصلي الذي بني عليه من حيث تصميم و تخطيط الحرم و الصحن بالإضافة إلى المنارة الرائعة المحدثة والمشيدة على الطراز الشامي بتأثير مملوكي الغني بالزخارف ، ليحتل هذا الجامع مكان الصدارة بين الجوامع المملوكية الشامية .

إعداد عماد الأرمشي
باحث تاريخي بالدراسات العربية والإسلامية لمدينة دمشق
الصور الداخلية للمسجد و الخارجية
بعدسة الأستاذ : علاء بدوي و الأستاذ يامن عارف صندوق

المراجع :
ـ في رحاب دمشق / العلامة محمد أحمد دهمان
ـ مآذن دمشق تاريخ و طراز / د. قتيبة الشهابي
ـ العبر في خبر من غبر / الشيخ شمس الدين محمد الذهبي
ـ ذيل ثمار المقاصد في ذكر المساجد / د. محمد أسعد طلس
ـ منادمة الأطلال و مسامرة الخيال / الشيخ عبد القادر بن بدران
ـ ثمار المقاصد في ذكر المساجد / ابن عبد الهادي الشهير بابن المبرد
ـ مشيدات دمشق ذوات الأضرحة و عناصرها الجمالية / د. قتيبة الشهابي 1995
ـ الآثار التاريخية في دمشق / جان سوفاجيه ؛ عربه وعلق عليه د. أكرم حسن العلبي
ـ بعض الصور مجهولة المصور والمرجع لم نتمكن من التعرف على أصحابها لنسبها إليه ، نرجو منهم المسامحة على استخدامها ، لكون البحث تاريخي أكاديمي و ليس لغرض تجاري .
ـ الآثار الإسلامية في مدينه دمشق / تأليف كارل ولتسينجر و كارل واتسينجر، تعريب عن الألمانية قاسم طوير، تعليق الدكتور عبد القادر الريحاوي
- Damaskus: die islamische Stadt / Carl Watzinger & Karl Wulzinger
ـ مجتمع و عمارة مدينة دمشق العثمانية بالقرن التاسع عشر و أوائل القرن العشرين للباحث شتيفان فيبر من جامعة برلين الحرة بألمانيا بحث لنيل درجة الدكتوراه
Stadt, Architektur und Gesellschaft des osmanischen Damaskus im 19. und frühen 20. Jahrhundert - Weber, Stefan, Universitat Berlin
awqaf-damas.com

__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
-المساجد, المملوكية, السنجقدار, دمشق, جامع

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:43 AM


madani® Copyright ©2000 - 2019, naim-almadani

حق العلم والمعرفة للجميع * والتاريخ هو تاريخ أمة * لذلك متنازلون عن جميع الحقوق بنقل او اقتباس شريطة الاشارة الى المنتدى * جميع المشاركات المكتوبة تعبّرعن وجهة نظر كاتبها ولا تعبّر عن وجهة نظر إدارة المنتدى

a.d - i.s.s.w